محركات البحث ومستقبل الصحافة
أخصص زاويتي المتواضعة هذا الأسبوع للحديث عن مصطلحين قد يبدوان في ظاهرهما تقنيّين شديدي التخصص، ومما يعاف الصحافيون وممارسو العمل الإعلامي الاهتمام بهما، تاركين إياهما لأقسام التسويق أو التقنية في المؤسسات الإعلامية، والنأي بمادتهما الصحفية، ألا وهما: مؤشرات أداء مواقع التواصل الاجتماعي أو KPIs، وتحسين مُحركات البحث أو SEO. فرغم كل دعاوى الرقمنة التي تتصدر غالبية المنتديات الإعلامية، أرى أن النمط السائد في غرف أخبارنا هو الفصل التام بين صناعة الخبر أو المادة الصحافية، وبين أي تساؤلات عن ماهية وصولها إلى مُستهلكها، وكيف ستجد طريقها إليه، فضلاً عن تفضيلاته وما إذا كان مُهتمًا بها.
فعلى سبيل المثال، سيظل الصحافي أو الإعلامي في عزلة عن القارئ طالما أن تحسين المادة الخبرية لتكون صديقة لمحركات البحث ودعمها بالكلمات المفتاحية ليس على قائمة أولوياته، سيظل الخبر في الظلام، قابعًا في زاوية مهجورة بمواقعنا الإخبارية إذا لم يكن بوسع مُحرك البحث رؤيته والتعرف عليه، ومن ثم لا نتحدث هنا عن ترف؛ إذ نوصي ونشدد على وجوب دراية الصحافي بأدوات الـSEO، فضلاً عن تمرُسه في تطبيقها. أما مؤشرات أداء مواقع التواصل الاجتماعي أو الـ KPIs، فأظن أنه لم يُعد خافيًا على أي ممارس للعمل الإعلامي أن ماكينة صناعة الخبر وتسويقه واستهلاكه أصبحت متصلة تمام الاتصال بمواقع التواصُل الاجتماعي، فغالبية مؤسساتنا أصبحت لا تعوّل كثيرًا على قراءات آتية من خارج حساباتها على السوشيال ميديا، ومن ثم فإن تحليل مؤشرات الأداء بصفة دورية وردّها إلى متوسطاتها العالمية، ومقارنتها بمعدلاتها السابقة - ركن أساس لفهم جمهورنا متلقي المادة الصحافية من المستخدمين، ماذا يريد؟ وأين يذهب؟ ومِمَّ ينفُر؟ ومتى يضغط زر الإعجاب والمتابعة؟ ومتى يتفاعل؟ بإحصاء علميّ واضح، لا أقول إن الصحافي عليه أن يطبقه بنفسه، وإنما أضعف الإيمان أن يكون على دراية جيدة به.
من المؤسف أننا في المملكة لا نزال نخطو خطواتنا الأولى في الاهتمام بقائمة المصطلحات تلك، فمشاهداتي اليومية في العمل الأكاديمي والصحافي ترجح أن أغلب المتخصصين ورواد التعامل مع مفردات التسويق الإلكتروني الحديث غير سعوديين إلا ما ندر، ما يعطي مؤشرًا على مدى تعاملنا بجدية مع تلك المجالات من حيث التدريب والممارسة على حد سواء، ومن وجهة نظري، الفصل التام بين عوالم التحرير وعوالم محركات البحث الإلكترونية يحد من قدرة الصحافي على التعرف على جمهوره وتحسس نبضه أولًا وأخيرًا، وكأن المواد الصحافية تسقط من الفضاء على سبيل المثال، في حين يتسع مفهوم الصحافي الشامل باستمرار حول العالم ليشمل مزيدًا ومزيدًا من المهارات لحسن صناعة وتوجيه المواد الصحافية والإعلامية.
وربما علينا هنا النظر قليلًا لمحتوى مناهجنا الإعلامية في أقسام الصحافة في المملكة، والتساؤل ما إذا كانت ملائمة لموقعنا من نهاية العقد الثاني بالألفية، ومواكبة حقًا لسوق العمل متسارع التطور، الذي ينضم إليه كل خريج سريعًا بعد بضع سنوات من الدراسة، وتسهم في دفع طلابنا لاستشراف المستقبل والتعاطي معه بفاعلية، ومن ثم تقديم عائد ورجع صدى حقيقي لهيكل الإعلام السعودي بعد التسلح بالخبرة والتجارب المنشودة، وفيما يتعلق الأمر بدراسة الإعلام نجد خيارات مختلفة ومتباينة وحقول متاحة للدراسة بالجامعات حول العالم، يتضمن بعضها بالطبع دراسة تحسين محركات البحث، وتخصص لها المواقع الأكاديمية ومنافذ الدراسة عن بعد محاضرات شتى، ونأمل هنا أن يعطى طلابنا الفرصة ذاتها للاستكشاف والبحث والمشاركة قبل وضعهم في اختبارات عملية حقيقة تثقل الكاهل.
* نقلا عن "الرياض"