.
.
.
.

«السعودي إماراتي والإماراتي سعودي»

فواز العلمي

نشر في: آخر تحديث:

بعد انتهاء موسم الحج الماضي، سأل أحد الصحافيين الأمير خالد الفيصل مستشار خادم الحرمين الشريفين أمير منطقة مكة المكرمة: "هل توجد أي خلافات بين الإمارات والسعودية؟"، فرد عليه بعبارة خالدة أصبحت شعارا للعلاقة المميزة بين الدولتين: "السعودي إماراتي والإماراتي سعودي". جاءت هذه الإجابة المختصرة لتدحض مزاعم كل من يحلم بتعكير صفو العلاقة بين القيادتين، ولتقف سدا منيعا أمام كل من يرغب في شق الصف بين الشعبين الشقيقين.
علاقة السعودية بالإمارات ليست محض مصادفة أو خطوة عابرة، فبينما يشكل الناتج المحلي الإجمالي للسعودية والإمارات 1140 مليار دولار ليعادل 42 في المائة من الناتج الإجمالي العربي، تتمتع هاتان الدولتان الشقيقتان برابع أكبر احتياطي نقدي في العالم بعد الصين واليابان وسويسرا بقيمة 642 مليار دولار، لتصبح علاقتهما الاقتصادية الأكبر بين مثيلاتها في دول مجلس التعاون الخليجي وعلى صعيد المنطقة العربية، حيث بلغ عدد المشاريع السعودية في الإمارات 206 مشاريع و35 فندقا، وارتفع حجم التبادل التجاري بين الدولتين الشقيقتين إلى 21 مليار دولار، وزاد عدد شركاتهما المشتركة على 3121 شركة.
من هذا المنطلق تم إنشاء مجلس التنسيق السعودي - الإماراتي ليصبح اليوم النموذج الأمثل للتعاون الثنائي بين الدولتين الشقيقتين، والركيزة المثلى لإطلاق "خلوة العزم" بهدف التشاور المستمر والتنسيق الدائم بين الطرفين في الأمور والمواضيع ذات الاهتمام المشترك في المجالات كافة، وبما يتوافق مع رؤية القيادة وأهداف المجلس.
ونظرا لأن "خلوة العزم" تركزت في ثلاثة محاور استراتيجية تختص بالمواضيع الاقتصادية والنواحي المعرفية والبشرية، والأمور السياسية والعسكرية والأمنية، فتم تشكيل 11 فريقا من فرق العمل المختلفة لمناقشة مواضيع هذه المحاور وتوجيه مسارها.
ولتأكيد أهمية هذه المحاور احتوت "خلوة العزم" على عديد من الجلسات الرئيسة في قطاعات السياحة والتراث الوطني، والشباب، وتطوير الخدمات الحكومية، وريادة الأعمال، والطاقة المتجددة، والاتحاد الجمركي والسوق المشتركة، والتعاون البحثي، والتكامل الأمني.
وتأتي هذه المحاور الاستراتيجية لتتبلور كمبادرات يحقق من خلالها المجلس الاستغلال الكامل لطاقات وموارد الدولتين بما يعزز التعاون والارتقاء بمصالح الشعبين الشقيقين. وتضمنت هذه المبادرات التأشيرة السياحية المشتركة وتسهيل انسياب التجارة بين الدولتين من خلال خفض مدة الفسح الجمركي من 14 ساعة عام 2018 إلى أربع ساعات عام 2019، وتوثيق العمل في مجال الأمن الغذائي، وتعزيز الأمن السيبراني الذي أسهم في خفض الهجمات السيبرانية بنسبة 55 في المائة وانخفاض المدة اللازمة للاستجابة لهذه الهجمات من 24 ساعة إلى ست ساعات، وإصدار العملة الرقمية الموحدة، وإنشاء مصفاة مشتركة في ولاية "ماهاراشترا" غربي الهند لتكرير النفط الخام بطاقة استيعابية تبلغ 1.2 مليون برميل نفط في اليوم متكاملة مع مجمع حديث للبتروكيماويات بتكلفة تقديرية مبدئية تبلغ 70 مليار دولار. كما جاء إنشاء مجلس الشباب السعودي - الإماراتي تعزيزا للشراكة بين الشباب في الدولتين، وتبادل الأفكار بينهم، وتنسيقا للجهود الرامية إلى رفع القدرات بما يؤدي إلى استثمار طاقاتهم وإمكاناتهم في تنمية المجتمع.
ونظرا لأن الدول الخليجية عامة، والسعودية والإمارات خاصة، تواجه تحديات مقلقة ومشتركة تخطت مشكلة اعتمادنا على النفط كسلعة وحيدة للدخل، وتعدت مشكلات توسيع وتعميق قاعدتنا الإنتاجية، لتصب بشكل أساس على مدى قدراتنا على إدارة المخاطر التي تواجهنا، مثل تنويع مصادر الدخل وتفاقم البطالة وتراجع الأمن المائي والغذائي وانخفاض مستوى المحتوى المحلي، ما سيعيق تحقيقنا للنتائج المرجوة، إلا إذا أدرجنا هذه التحديات للتصدي لها في "خلوة العزم" على النحو التالي:
أولا: تكوين الجهاز السعودي - الإماراتي المشترك المختص بإدارة المخاطر لاستقراء اتجاهاتها وإسقاط مؤشراتها ووضع الخطط اللازمة للتصدي لتحدياتها وتحييد تداعياتها ومعالجة نتائجها. ويتم ذلك بواسطة تكوين فريق من الخبراء المختصين في المجالات المختلفة، لا تقتصر مهمتهم على العصف الذهني فقط، بل يسعى إلى إيجاد البدائل لكل السيناريوهات المحتملة، ويعمل على تقييم النتائج لمختلف الاحتمالات المتوقعة، ويطرح الحلول بشأن المواضيع الملحة التي تواجه مجتمعنا وتؤثر في كفاءة أهدافنا.
ثانيا: إنشاء المخزون الاستراتيجي للأمنين المائي والغذائي، حيث تعتمد المملكة والإمارات على المياه المحلاة بنسبة لا تقل في المتوسط عن 65 في المائة، والمياه الجوفية الناضبة بنسبة 35 في المائة، فإننا سنحتاج إلى 88 مليار متر مكعب من المياه العذبة سنويا، ما يتطلب ضرورة تشجيع القطاع الخاص على تصنيع معدات التحلية وقطع غيارها ونقل تقنياتها. كما تربعت المملكة والإمارات بالنسبة لعدد سكانها، على المرتبة الـ18 في قيمة الغذاء المستورد، الذي يشكل 83 في المائة من احتياجاتنا الغذائية، وذلك لأننا نعاني فجوة غذائية مزمنة تعادل 100 في المائة في الأرز والقمح، و92 في المائة في الذرة، و86 في المائة في الشعير، و62 في المائة في الدواجن، و34 في المائة في اللحوم والألبان.
ثالثا: إعداد فريق مختص بالتجارة العالمية لإجراء مفاوضات اتفاقيات التجارة الحرة مع الدول الصديقة، وفتح المنافذ والأسواق الدولية أمام الصادرات الخليجية، والدفاع عن مصالحها والتصدي لقضاياها المصيرية، ودفع وتيرة التكامل الاقتصادي الخليجي لتوحيد أنظمته التجارية والاستثمارية والمالية، وتوفير الحماية اللازمة للمنتجات السعودية والإماراتية في الأسواق المحلية.
رابعا: الإسراع في تسهيل حركة النقل السريع بين المملكة والإمارات من خلال ربط البنى التحتية والخدمية بالجسر البري للسكة الحديدية وشبكات المياه والكهرباء والاتصالات وتقنية المعلومات. وهذا سيسهم في توسيع وتعميق القاعدة الإنتاجية للمملكة والإمارات في الصناعات التكميلية أفقيا ورأسيا، وتوفير الدعم الكامل للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة لمضاعفة صادراتنا غير النفطية من 22 إلى 50 في المائة من إجمالي الصادرات، وتخفيض وارداتنا من 90 إلى 40 في المائة من إجمالي الاحتياجات، مع زيادة نسبة مساهمة قطاعنا الخاص في الناتج الإجمالي لكلتا الدولتين الشقيقتين من 40 إلى 65 في المائة، لتتماشى مع النسب المماثلة في دول العالم في المحتوى المحلي.
لا شك أن مجلس التنسيق السعودي - الإماراتي سيسعى إلى تكامل اقتصادنا الخليجي، الذي سيمنحنا الفرصة المثالية لتعظيم قدراتنا الذاتية وتحقيق أهداف رؤيتنا المستقبلية وتشجيع مكاسب شعوبنا، ليصبح هذا التكامل أكبر قوة اقتصادية في منطقة الشرق الأوسط، وسادس أقوى شراكة استراتيجية في العالم أجمع.

*نقلاً عن "الاقتصادية"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.