.
.
.
.

القطاع الخاص .. والشراكة الواجب إدراكها

عبدالحميد العمري

نشر في: آخر تحديث:

عوضا عن زخم الدراسات والتقارير التي طالما صدرت من مختلف المواقع الممثلة للقطاع الخاص طوال أكثر من ثلاثة أعوام مضت، تحديدا تلك التي تضمنت ما فهم على أنه ممانعة من القطاع تجاه الأعباء والمسؤوليات الملقاة على عاتقه، فيما يختص بالبرامج العديدة للتحول الجذري للاقتصاد الوطني تحت مظلة "رؤية المملكة 2030"، أؤكد أنه عوضا عن كل ذلك؛ كان من الأجدر بكيانات القطاع الخاص والأجهزة التي تمثلها أن تبادر فورا بالتحول والتكيف وفق ما تضمنته تلك البرامج من إصلاحات هيكلية، والنظر بشمولية أوسع مما انحصرت فيه رؤيتها الضيقة طوال الفترة الماضية إلى المكاسب المهمة والضخمة التي سيجنيها الاقتصاد الوطني بمقدراته ونشاطاته كافة في الأجل الطويل حال تحققها بمشيئة الله وتوفيقه. وفي مقدمة المستفيدين منشآت القطاع الخاص نفسه، وأن ما سيعانيه في الأجلين القصير والمتوسط من أي آثار سلبية، فإنها أولا: جزء لصيق بأي إصلاحات هيكلية يتم اتخاذها في أي اقتصاد، ثانيا: ستمس الأطراف كافة "حكومة، قطاعا خاصا، مجتمعا"، وأخيرا: لا تتجاوز كونها آثارا مرحلية لن يطول بها الأمد، وسرعان ما ستختفي تدريجيا بالتزامن مع اكتمال الإصلاحات وتكيف الاقتصاد والمجتمع معها.
لقد اعتبرت "رؤية المملكة 2030" القطاع الخاص شريكا رئيسا في رحلتها الميمونة، وإن لحقه بعض الآلام أو الأوضاع غير المؤاتية في الأجلين القصير والمتوسط أثناء رحلة التحول والإصلاح والتطوير، إلا أنه يستهدف ليكون من أكبر الرابحين في نهاية تلك الرحلة، والمخطط أن تنعكس تلك المكاسب التي سيجنيها القطاع الخاص إيجابيا على الاقتصاد الوطني وأفراد المجتمع على حد سواء. ومن يظن لو بنسبة 1 في المائة، أن طريقا للإصلاح والتطوير والتحديث سيكون عبوره خاليا من أي آلام وضحايا، فإنه بكل تأكيد مخطئ جدا، وسيكون خطؤه أكبر وأفدح إن ظن كذلك أن الطريق نفسه لا يحمل أي مكاسب أو فوائد، وأنها ستتعاظم تدريجيا مع مرور الزمن، ومع القضاء التدريجي على التشوهات التي كانت تستوطن جسد الاقتصاد الوطني، وطالما عاناها الجميع، بل كانت أكبر عائق تصدى وجوده لتنامي واتساع وانتهاز الفرص الاستثمارية الواعدة محليا.
بالتأكيد؛ يعد طريق "الرؤية" إلى نهايته الأفضل للجميع فهو طويل، وشاق جدا، ويحمل في منعطفاته كثيرا من التحديات والآلام والصعوبات التي يمكن تفهم أسبابها بسهولة كبيرة بالنظر إلى حجم الاختلاف الكبير جدا بين ما كان عليه الاقتصاد الوطني من أوضاع سابقة طوال أكثر من نصف قرن مضى، وما سيؤول إليه بحلول 2030 من تحولات جذرية مختلفة تماما عما مضى ولن يعود أبدا، وما زال جزء كبير من قلب وعقل القطاع الخاص متعلقا بردائه رغم نزعه من قبل الحكومة، وما زال يكرس وقتا وجهدا ثمينين في التعويل على عودته، كان أحق أن يبذل ويسخر في اتجاه اللحاق بالركب والبحث مبكرا عن موطئ قدم أكثر ثباتا في محيط الفرص الواعدة والمنتظرة للاقتصاد الوطني، في خضم طريق "رؤية المملكة 2030" حتى نهاية رحلتها، وما أكثرها أمام كل عين ثاقبة النظر!
إنها "رؤية المملكة 2030" الطريق الوحيد للخلاص من بدائية اقتصاد طالما اعتمد لعقود مضت على مصدر وحيد للدخل، خدمه ذلك كثيرا بكل تأكيد في مراحل مبكرة زمنيا، ثم بدأت تدريجيا تتلاشى قدرة ذلك المصدر الوحيد على الوفاء بكل احتياجات ومتطلبات التنمية والاقتصاد والمجتمع وأصبح الجميع في مواجهة حتمية مصيرية، تؤكد استحالة أن تستمر الحكومة باعتمادها وحيدة على دخل النفط، للوفاء بأدوارها التي تعاظمت عقدا بعد عقد، كأكبر طرف يقع على كاهله المسؤولية الأكبر على مستوى الإنفاق والإدارة والدعم والتوظيف.
ختاما؛ تبدأ الشراكة الواجب على القطاع الخاص إدراك مضمونها بما يرتقي إلى تطلعات "رؤية المملكة 2030"، من التخلي تماما عن عادة أو ثقافة أو إدمان -سمه ما شئت من أسماء في هذا السياق- على الاعتماد المفرط من قبل مختلف منشآته على الإنفاق الحكومي وما يتبعه من تحفيز ودعم مختلف ومتعدد الأشكال والأساليب، ذلك الإدمان الذي أعجزه طوال نصف قرن مضى عن النهوض بقاعدته الإنتاجية وتنويعها، على الرغم من أن فاتورة ذلك الاعتماد المفرط على الإنفاق الحكومي المباشر، إضافة إلى التحفيز الحكومي من خفض تكلفة استهلاك مصادر الطاقة والموارد الناضبة محليا تجاوزت فقط خلال آخر ثلاثة عقود سقف 5.3 تريليون ريال.
ومن عجب هنا على الرغم من النتائج المتدنية لأداء القطاع الخاص مقابل تلك الفاتورة الهائلة التي تحملتها الحكومة طوال تلك العقود، سواء على مستوى مساهمته في الناتج المحلي الإجمالي، أو مستوى تنويع قاعدته الإنتاجية وتنافسيته دوليا، أو مستوى توطينه ملايين الوظائف الكامنة في أحشائه، أؤكد أن من العجب أن القطاع الخاص ما زال يطالب باستمرار هذه المنهجية أو الوتيرة من النزيف المالي الهائل من الدعم والعناية إلى ما لا نهاية، دون النظر إلى هل بإمكان وقدرة الدولة الوفاء به أم لا؟ ودون النظر إلى الآثار الوخيمة اقتصاديا وماليا واجتماعيا التي سيترتب عليها عند لحظة العجز التام عن الاستمرار فيه! وهي اللحظة من الزمن التي يتجاهلها تماما كل من له مصلحة متحققة من استدامة القطاع الخاص على تلك المنهجية الهشة.
ومن ثم؛ ليتأكد للجميع أن القطاع الخاص أدرك كما يجب ركائز تلك الشراكة، فلا بد أن يندفع حسب مختلف نشاطاته ووفقا لموارده وإمكاناته، ودون إملاء حرفي لما يجب على كل منشأة القيام به، للوصول إلى أن يكون المصدر الأول والأكبر للنمو الاقتصادي، ولتمويل الميزانية الحكومية في جانب الإيرادات غير النفطية، ويكون الموظف الأول والأكبر للموارد البشرية الوطنية.

*نقلاً عن "الاقتصادية"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.