.
.
.
.

حلم.. بات واقعاً

ملحة عبدالله

نشر في: آخر تحديث:

م يغب الاهتمام بالمسرح عن أذهان المهتمين بالتطور والارتقاء في خضم هذا السيل الجارف من الإصلاح والنهضة الباذخة في عصر التنوير والفكر السعودي المعاصر.

وبما أن المسرح هو المرآة العاكسة لتاريخ الأمم ومقياس تقدم حضاراتها، أصبح هذا الصرح الكبير (المسرح) يأخذ طريقه إلى الرسوخ والتأسيس على قيم نعهدها ولا نفرط فيها.

كان ذلك ضمن هذه النهضة التي اتخذت من الدهشة والصدمة والبريق الأخاذ طريقا لها على يد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان - حفظه الله -، وبقيادة ولي عهده الأمين سمو الأمير محمد بن سلمان، وبرعاية معالي وزير الثقافة بدر بن فرحان.

منذ خمسة وعشرين عاما ونحن نطالب بهيئة رسمية للمسرح ترعى إنتاجه وتحدد مبدعيه وتأخذ بيد الهواة وتفرق بين الهاوي والمحترف، وتجعل المسرح الرسمي في صدارة الثقافة ليس المحلية والعربية فحسب وإنما العالمية في يوم بات العالم فيه قرية واحدة.

فأصدرنا المقالات وأنشأنا الحوارات وألفنا عشرات الكتب في سبيل أن نجد صدى لما نأمل أن يكون عليه المسرح السعودي من شموخ بين أنداده من صنوف الإبداع، ولكن ربما لأننا كنا نحن معشر المسرحيين السعوديين نتحدث في زمن لا يمكن أن يتأتى لنا الحصول على رجع الصدى.

ولكننا اليوم وتحت ظل قيادة حكيمة تعلم كيف تدار شعلة التنوير، نحتفل بنصرة المسرح والمسرحيين على يد العدل والاستجابات لرغبات المبدعين من قيادة حكيمة تعلم مدى صدق أبنائها وإخلاصهم لوطنهم وحبهم لرفعته.

فمنذ أن أعلن معالي وزير الثقافة بدر بن فرحان مشروع الابتعاث لطلاب المعرفة والعلم ومنهم طلاب المسرح أيقنا تمام اليقين أن معاليه وبدوره التنويري سوف يحقق لنا الكثير وخاصة تأسيس مسرح رسمي فاعل، يكون مهموم بقضايا وطنه حاملا شعلة التنوير، ولم يطل الانتظار كثيرا، إذ وجدناه الآن يعلن عن تدشين المسرح الوطني السعودي ليضع بذلك المسرح في واجهة الثقافة والمعرفة والتنوير بشكل رسمي بعد أن كنا نتحدث في حواراتنا وكنا نؤكد أن المسرح السعودي لا يزال يعتمد على الهواة، وهذا لا يقلل من شأنهم، فالهواة هم أساس الإبداع وهم بذرة النبرة الأولى للعبقرية، إلا أن للمسرح الرسمي شأنا آخر في وضعه في صدارة الثقافة بقيادة وزيرها الفذ المحب للتنوير والغيور على ثقافة ينقصها ركنها الأساسي (المسرح).

إن المسرح السعودي كما دوناه في كتبنا وكتاباتنا كان مسرحا يفرض سطوته على واقع يتنكره في زمن ليس بالقصير، حيث كان كيانه المبني على المفهوم الصحيح للمسرح منذ ما يقترب من المئة عام كتاريخ حر معروف للمسرح السعودي، ولكنه بعدما هدم مسرح السباعي الذي أنشأه في العام 1935 تقريبا بعد أن أعده بما يسمى بمسرح قريش في مكة المكرمة - وكان قد سبقه العديد من العروض سواء في المسرح المدرسي أو الهواة - لم يكن للمسرح الرسمي أي مكان كهيئة تندرج تحتها هيكلة كبيرة فروعها وأقسامها بشكل رسمي سوى فيما تقدمه جمعية الثقافة والفنون على استحياء وبشكل مجحف للمسرح وللمسرحيين ولكنه كان حينها "الصراع من أجل البقاء" كما يقال!

إن الإعلان عن تدشين المسرح الوطني في المملكة هو احتواء لمئات المبدعين المسرحيين السعوديين الذين جابوا العالم المحلي والعالمي بعروضهم وبإبداعاتهم فحصدوا الجوائز ونالوا استحسان المشاهد في كل المهرجانات الدولية والعربية والمحلية، فكان لزاما حيا أن يكون لهم مسرح رسمي يتشرفون بالانتماء إليه.

وها هو معالي الوزير ورجاله الأكفاء من الداعمين للمسرح يضعون المسرح الآن في صدارة الصنوف الإبداعية التي طالما تجرع نار التجاهل والإقصاء.

سيكتب تاريخ الفن الذي ينقش على لوح التاريخ الفني العالمي هذا الحدث وستدون أسماء من أخذ بيد المسرح من التل إلى القمة وسيوضع المسرحيون السعوديون في دائرة الضوء وسيتبين الغث من السمين والمبدع الحق من المدعي طالما أصبح الأمر الآن عاما واضحا وفي دائرة الضوء وفي إطار المحاسبة.

نحن كمسرحيين سعوديين - ولا أستثني نفسي - نتقدم بجزيل الشكر والعرفان لما أسداه خادم الحرمين الشريفين، وولي عهده الأمير محمد بن سلمان للنهوض بالمسرح في عصر التنوير، ولا نستثني معالى الوزير بدر بن فرحان صاحب الهمة والإقدام على فعل طال انتظاره.

* نقلا عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.