.
.
.
.

عوالم القصة والتشظي

عبد الله بن بخيت

نشر في: آخر تحديث:

هذا العنوان ليس من عندي. تكرر في زمن الحداثة. مع نهاية السبعينات وعقد الثمانينات من القرن الماضي. صارت كتابة القصة القصيرة بوابة لكل من يريد أن يكتب في الملاحق الثقافية ويجرى معه حوار ويحصل على كرت عضوية سهرات الشلات في الليالي الثقافية. تكلفة كتابة قصة في ذلك الزمن تكاد تكون معدومة. ورقة فلوسكاب أو نصفها إذا أردت أن تكتب قصتين على ورقة واحدة اختصاراً للوقت والجهد وأن تأخذ إبداعك للجريدة بمشوار واحد. أن تعبئ نصف صفحة 150 كلمة يكفي أن يتوج نصك بكلمة قصة تنشر في الملحق الثقافي فالمخرج يتكفل بتكبير الحرف ويضع صورة تشكيلية. هكذا يمكن أن يلاحظ القارئ وجودك.

أن تكتب قصة ليس بالضرورة أن تكتب قصة. ثمة تكنيك جديد كنت اسميه الكلام المعفط. إذا أردت أن تتخيل الكلام المعفط عليك أن تأخذ قوطي مشروب غازي وتعفطه بكل ما تستطيع إلى أن تعجز قبضتيك عن المضي في التعفيط ثم تنظر إلى الشكل الذي وصلت إليه فإذا بك أمام قصة قصيرة. إذا لم يسعفك مثال تعفيط القوطي يسعدني أن أقدم لك مثالاً: (بات حلمي ورما ينبت على الرمل في أفق ينداح في الصحراء البعيدة. من يلتقط حبات الرمل وترى من يلتقط جنبات وطني المتناثرة. استفقت أروم ضوءاً غاب عن ذاكرتي كسمكة تبحر في طيات فراشي الدافئ.. أفقت على صوت أمي تعجن الخبيز بيديها المعروقتين واضع ثقلي على نجمة. هكذا ترطن الفراشة قبل موتها. زمن يمضي وزمن يجيء والبعد يرقبنا هناك متكئ على غيمة).

إذا نشرت عشر قصص مثل هذه أصبح بين يديك مجموعة قصصية حتى ولو لم تبلغ عدد كلمات مجموع القصص ألفي كلمة (بحجم هذه المقال أربع مرات) تصنع كتاباً تضعه بين بيدي النقاد والدارسين.

هناك دراسات على هذه القصص لا تقل تعفيطاً عن القصة نفسها تنثال على قلم الناقد المبدع الذي ينظر من خلال الحلم إلى واقع كابوسي أراد القاص من خلاله أن يضع البوح مكان الاستبطان وينقل التجربتين إلى عوامل نصية متشاكلة. ولا يخفى أننا لا نسعى في تفسير الحلم في حد ذاته في القصة التي تتكئ عليها الدراسة، بل هو سعي حثيث إلى الإمساك بطريقة تشكّل هذه الأحلام وإبراز إسهامها في توليد أكوان سردية متلاحمة ومتجانسة تمنح للنص جمالية خاصة تجمع بين البوح الذاتي والاستبطان النفسي الذي يقوم على لغة التشتيت والتشظي.

الآن بعد أن قدمك الدكتور الناقد تستطيع أن تقول إن تجربتك الإبداعية اكتملت. تجلس في بيتك وتضع كوعك على المركى وتصرخ على أهل بيتك: عطونا القهوة.

* نقلا عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة