.
.
.
.

عُقَد النقص التاريخية عند الصغار

محمد الوعيل

نشر في: آخر تحديث:

لعل ما حذر منه سمو وزير الخارجية، الأمير فيصل بن فرحان، في كلمته في الجلسة الثانية من دورة الانعقاد الرابع للبرلمان العربي التي عقدت مؤخرًا، يعكس التحذير السعودي الدائم من تعمد بعض القوى الإقليمية و"توابعها" من قيادات بعينها، أو أذرع متعددة الأسماء والولاءات، تتدخل بشكل سافر ووقح في الشؤون الداخلية في بعض دولنا العربية، بحيث أصبح من غير المقبول دبلوماسيًا ولا وطنيًا ولا حتى أخلاقيًا الصمت على مثل هذه الممارسات العدوانية التي فاقت كل الخطوط الحمراء في العلاقات الدولية، أو ما تتطلبه علاقات حسن الجوار على الأقل.

النقطة الأهم في موقف المملكة - على لسان سمو وزير الخارجية - كانت الإشادة الواضحة، إن لم تكن الفاضحة، وملخصها أن منطقتنا العربية تعاني تدخلات ميليشيات طائفية ومذهبية تحاول عواصم بعينها تصدير أزماتها تارةً بزعم الثورة الإسلامية، وتارة أخرى بوهم الخلافة الإسلامية أيضًا، والإسلام من كليهما براء، والغريب العجيب أنه رغم التناقض العقائدي بين الوهمين، إلا أن الهدف الخبيث المشترك واحد، وهو السيطرة على الشعوب، وإشعال نيران الفتنة داخل الأوطان، والأكثر خطورة هو اعتماد كلتا الأجندتين على ما يمكن تسميته "الطابور الخامس"، الذي يخوض حرب الفتنة والإرهاب بالوكالة عن هاتين الأجندتين، مستفيدًا من الدعم المالي السخي وغير المحدود، والتبجح باستضافة كل الخوارج واحتضانهم وتمويلهم ضد بلدانهم الأصلية.

لا يخفى على أحد أن دولة الملالي في طهران ومنذ "ثورتها" المزعومة عام 1979 باتت المحطة الأولى للإرهاب الطائفي عبر ذيولها المنتشرة في أكثر من عاصمة عربية، وأن العمائم التي تتبجح بالسيطرة والنفوذ في أربع عواصم عربية أصبحت خطرًا حقيقيًا ليس بمنطق الجغرافيا فقط، ولكن بمنطق الدين أيضًا بمثل ما أصبحت تركيا الحالية ومنذ وصول تنظيم الإخوان الدولي إلى الحكم فيها عن طريق حزب العدالة والتنمية، حالة مثيرة للاستغراب في دولة تتشدق بالحكم الإسلامي فيما توجهها الرسمي هو "العلمانية" منذ تأسيسها على يد مصطفى كمال أتاتورك، قد نفهم السعي الإيراني الحثيث للعيش في وهم الإمبراطورية الفارسية القديمة، وإن كان بصيغة طائفية محضة، تحمل كراهية لكل ما هو عربي انطلاقًا من العقدة التاريخية القديمة؛ لذا نتوقع أن تمد أصابعها، حزب الله "لبنان" والحوثيين "اليمن" والحشد الشيعي "العراق" بحثًا عن إعادة الشيخ إلى صباه، ولكن ما ليس مفهومًا على الإطلاق هذا الوجه "العثماني" الاحتلالي الذي تحاول تركيا/ العلمانية استنساخه بتسويق فكرة خلافتها الاستعمارية، التي اختلفت عن كل استعمار أجنبي تعرضت له منطقتنا العربية، بحيث كانت واحة للتخلف، وامتصاص قدرات الشعوب، وتكريس الاستبداد الديني السلطاني، ولم تقدم أي اختراع أو فائدة علمية ثقافية أو حضارية أو علمية تشفع لها على أقل تقدير.

إذا كانت جمهورية العمائم الثورية في إيران تتبجح بسيطرتها على أربع عواصم عربية، فإن تركيا/ أردوغان تمارس العقلية التوسعية الاستعلائية نفسها للهيمنة على المنطقة، كلنا رأينا تدخلها في سورية، بل استقطاعها إقليم الإسكندرونة وضمه إليها بمثل ما تحتل إيران جزر الإمارات الثلاث، كما رأينا عبثها هناك، وكونها محطة عبور واستقطاب لكل متطرفي الدواعش، ومتاجرتها باللاجئين السوريين المغلوبين على أمرهم، وكلنا نرى التدخل غير المعقول في الشأن المصري، الذي أسقط حلمهم الإخواني في التمدد والسيطرة، وكلنا نرى الآن العبث السافر في الشأن الليبي، وإرسالهم للمرتزقة والإرهابيين لمساندة ميليشيات التكفير هناك، بحثًا عن إرث الأجداد بتعبير الرئيس أردوغان.. والمخجل أن هناك من بيننا - كشعوب عربية - من لا يزال يرى في إيران أو تركيا مطمحًا نموذجيًا ينبغي الاقتداء به، ليس هذا فقط، بل موالاته على حساب وطنه الأم والأصلي!

على مواطننا العربي أن يفهم - مهما كانت عقيدته أو طائفته - أن إيران أو تركيا أو غيرهما ليسا سوى محطات عفا عليها الزمن، وأن المتاجرة بأوهام ثورية أو طائفية أو دغدغة لمشاعر خلافة كان لها وقتها وانتهت، ما هي إلا حصان طروادة الاحتيالي لاستعادة أمجاد غابرة لم يعد لها محل من الإعراب، كما أننا يجب ألا نجعل من بلادنا ساحة لتصفية حسابات استعمارية حديثة، تتخندق بالدين، وتخفي تحتها أطماعًا في السيطرة والنفوذ، ومن هنا نفهم جيدًا أن ما دعت إليه المملكة - وستظل تدعو إليه - من وحدة وسيادة وسلامة الأراضي العربية، وعدم القبول بأي مساس بها أو أي تدخل يهدد استقرارها، يمثل الفارق الكبير بين سياسات الكبار المترفعين عن الاستعراض، وبين الصغار - أيًا كانوا - اللاهثين وراء الأطماع وسد فراغات عُقَد النقص التاريخية والبشرية.

* نقلا عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة