.
.
.
.

فايروس الصين العظيم !

نشر في: آخر تحديث:

يبدو أن قدر الصينيين أن ترتبط حضارتهم وبلادهم بالعظمة والأرقام القياسية حسنة كانت أو سيئة فمن سور الصين العظيم إلى مرض الصين العظيم بـ«كورونا» حكاية حضارة إنسانية هي الأكبر في هذا الكوكب ثقافياً وصناعياً، ولذلك إذا مرضت الصين مرض اقتصاد العالم مباشرة، وهذا ما بدأت تلوح علاماته في الأفق.

ليست مبالغة إن وصفنا الصين بمركز اقتصاد العالم اليوم، فهي الدولة التي تعتمد على مصانعها معظم إن لم يكن كل شركات التقنية الكبرى والتي باهتزازها يهتز الاقتصاد العالمي من طوكيو إلى سان فرانسيسكو، كما أن الصين أكبر مستهلك للنفط الخام في العام، ولذلك فقد دخلت أسعار النفط فعليا في مسار هابط لا يمكن لأحد التكهن بنهايته، إذ خسر البرميل نحو 20% من قيمته خلال الأسابيع الثلاثة الماضية فقط، وما لم تنفرج أزمة كورونا خلال شهرين فإننا أمام كارثة اقتصادية حقيقية لن ينجو منها أحد من منتجي النفط في البداية ثم تمتد إلى انهيار شركات التقنية التي تعتمد في منتجاتها على الصناعة الصينية، ويلي ذلك انهيار للبنوك التي تمول هذه الشركات، ومن ثم انهيار القطاعات الأخرى المعتمدة على تمويل البنوك وسقوط قيمة العملات بالبراشوت، وبدء كساد عالمي غير مسبوق.

هذا السيناريو المرعب جعل بعض المهتمين في شرق العالم وغربه يطرحون نظرية مؤامرة جديدة مفادها أن يكون الفايروس الجديد سلاحا بيولوجيا تم تطويره في المعامل وتسرب إما بالخطأ أو بشكل متعمد لضرب الاقتصاد الصيني وتشعبوا في المسألة محاولين تقديم أدلة وقرائن تؤكد هذه النظرية، لكن الواقع يقول إن ما حدث قد حدث وضرب الفايروس ضربته، ونحن أمام أزمة يجب أن يشترك العالم كله وبجميع قدراته في حلها قبل أن تتفاقم ولا ينجو منها أحد.

في تقرير مهم لوكالة بلومبيرغ بُث قبل أيام توقع خبراء أن تصبح الخسائر التي سيخلفها فايروس كورونا الصيني أكبر خسائر يسببها وباء في العصر الحديث، وفي تقرير آخر نشرته صحيفة وول ستريت جورنال عن الموضوع اعتبر محللون أن جهود الحكومة الصينية غير كافية لاحتواء الوباء وهو ما يرجح تفاقمه بشكل كبير، الأمر الذي أغضب الحكومة الصينية بشدة، إذ أعربت وزارة الخارجية الصينية أمس الأول عن احتجاجها الشديد على تقارير صحيفة وول ستريت جورنال بشأن جهود بكين لمكافحة فايروس «كورونا الجديد»، مؤكدة أن الصين تحتفظ بالحق في اتخاذ المزيد من الإجراءات، أن الصحيفة اختارت عنواناً عنصرياً ومثيراً لا يحترم الحقائق أو الأخلاق المهنية، بل ويضر بمشاعر الشعب الصيني وأثار غضبهم وإدانتهم.

في عالمنا العربي الذي ما زال التخلف يخيّم على جزء كبير من مجتمعاته انشغل كثير من الناس في مناقشة إن كان كورونا الجديد عقوبة إلهية للصين أو وباء لا علاقة له بذلك، وهو نقاش مثير للسخرية بحق، فالفايروس لا دين له ويضرب ضربا عشواء في المؤمنين وغير المؤمنين، لكنها ثقافة مريضة بفايروس الجهل ومتلازمة الكراهية وهما مرضان لم ولن تجد لهما البشرية علاجاً للأسف، بينما قد يُكتشف علاج لكورونا غداً ويصبح حكاية من الماضي.

*نقلا عن عكاظ

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.