.
.
.
.

عقلك.. ذاك الحصان الجامح

إبراهيم العمار

نشر في: آخر تحديث:

العقل البشري أعظم مخلوق.

ليس أكبر شيء حجماً كالكواكب، وليس أقوى شيء صلابة كالماس، ولكنه في تعقيده وما فيه من قدرات هو أعجب شيء في الوجود، فيه الذكاء البشري، وفيه الوعي (وعيك بذاتك، تفكيرك في تفكيرك)، فيه اللغة، والاستنباط، وقدرات مدهشة كهذه تميّز البشر عن غيرهم.

لكن مثل كل شيء آخر فليس هناك أبيض وأسود، فنفس الأدوات التي تجعلك ذكياً هي التي يمكن أن تجعلك تتخذ قرارات خاطئة أو غريبة. مثل الشهوات كالأكل وغيرها التي يفترض أن تؤدي مهام مفيدة لك وللجنس البشري، يجب أن تكبح جماحها وتستخدمها باعتدال وفي مواضعها الصحيحة، وإلا أتت بما لا يُحمد عقباه.

خذ التصنيف مثالاً لإحدى عملياتك العقلية، التصنيف هو أن تضع الناس أو الأشياء تحت مجموعة واحدة، مثلاً ثار خلاف بينك وبين خياط على السعر، فتعتقد أن كل الخياطين أهل نصب واحتيال، ولو حصل لك موقف آخر مع أحدهم لترسّخت الفكرة أكثر، رغم أن واحدا أو اثنين من مئات الآلاف من الخياطين حول العالم هي نسبة معدومة، لكن عقلك مبرمج أن يصنّف الناس بسرعة، ويحصل هذا مع الجنسيات أيضاً فتعمم على شعب كامل، وهي في الحقيقة عملية مفيدة بل ضرورية، فأنت تعرف أن الذئب خطير، وهكذا لو كنتَ ليلاً وخرج لك كائن مكسو بالشعر يمشي على أربع دقت نواقيس الخطر في عقلك لأنه صنّف كل الكائنات كهذه أنها يجب تجنّبها إلا لو ثبت العكس، ثم تكتشف أن ذاك مجرد كلبٍ ودود.

إذاً التصنيف مفيد لكن يجب أن يّهذب، وإلا جعلك متحيزاً ظالماً، والتجارب وجدت ذلك، فقد وجد علماء أميركان أننا نربط بين مجموعات معينة من الناس وبين صفات وأفكار معينة حتى من دون شعورنا الواعي. الدراسات أظهرت أن الناس ربطوا الوجه الأبيض مع كلمات إيجابية مثل سلام، متعة، حب، سعادة.. إلخ، بينما كان قد وصل التحيز ضد الوجه الأسود إلى 70 % من الناس، وقد أثار هذا انزعاج من اكتشفوا أنهم يتحيزون ضد السود بلا وعي. بل إن الكثير من السود أظهروا تحيزاً لا شعورياً في تفضيل العرق الأبيض في هذا الاختبار، ومن المعقول حصول هذا في مجتمع - أي الأميركي - يُبرز الصفات السلبية للأميركان السود في الإعلام.

التصنيف حصانك الجامح، روّضه واركبه بحذر.

*الرياض

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة