.
.
.
.

إدلب.. هل ستكون إسكندرونة أخرى؟!

إبراهيم النحاس

نشر في: آخر تحديث:

إن على الأمة العربية أن تدرك أن المخططات الأجنبية والقرارات الدولية التي صادقت على منح إقليم الإسكندرونة إلى تركيا قد تعود مجدداً لتمنح إقليم إدلب أو غيره من أراضٍ عربية إلى تركيا أو إلى غيرها من أعداء الأمة العربية الطامعين فيها وبخيراتها وثرواتها ومقدراتها..

بعد ثمانية عقود من الاستعمار التركي البغيض لإقليم الإسكندرونة السوري - العربي، تتجدد الأطماع التركية التوسعية بإقليم إدلب السوري - العربي. ثمانون عاماً تبدو في الحسابات الزمنية طويلة، ولكنها في الحسابات التركية مازالت جامدة عقلياً ومتوقفة زمنياً عند فترة الثلاثينات الميلادية من القرن العشرين، ومسترجعة ما سبقها من أزمنة وأحداث. قد يكون الزمن فعلاً تقدم من الناحية الشكلية والنظرية والعملية ومتماشياً مع تطورات الحياة الإنسانية، ولكن في تركيا مازال حلم صناعة الأمجاد التركية على حساب الأمة العربية قائماً كما صاغ وأسس بنيانه أتاتورك. قد تكون الأمة العربية آمنت بالقوانين الدولية، وارتضت العمل من خلال المنظمات الدولية، وتناست المآسي التي أتت بها القوى الاستعمارية؛ ولكن قادة الدولة التركية آمنوا فقط بأحلام الأمة التركية، وعملوا من أجلها وسعوا لتحقيقها على مدى العقود والأعوام السابقة.

تركيا التي سلبت واحتلت إقليم الإسكندرونة في يوليو 1938م باتفاق مع الفرنسيين، تتطلع لإعادة تلك التجربة المقيتة مجدداً في إقليم إدلب من خلال قيامها بالتدخل العسكري المسلح في شمال سورية منذ أكتوبر 2019م. تركياً التي مارست شتى أنواع الاستبداد والإرهاب تجاه العرب من أبناء إقليم الإسكندرونة، تعود مجدداً لتمارس تلك السياسات المتطرفة تجاه العرب في إقليم إدلب السوري. إنها السياسة التركية المعهودة التي آلفها العالم العربي على مدى ستة عقود متصلة من الاحتلال التركي المقيت للأراضي العربية الشاسعة. فكما استخدمت تركيا سياسة الإرهاب والقتل والتهجير والتخويف وتبنت سياسة إعادة التوطين وغيرها من سياسات متطرفة في إقليم الإسكندرونة على مدى عقود طويلة؛ فإنها تمارس مجدداً تلك السياسات المتطرفة في إقليم إدلب. إنها سياسة النفس الطويل التي تمارسها تركيا للسيطرة وفرض سياسة الأمر الواقع على هذا الإقليم بشكل خاص، وباقي الأقاليم الشمالية من الأراضي السورية بشكل عام.

وإذا كان هناك العديد من الأسباب المعلنة التي يتم الترويج والتسويق لها بغرض تحسين صورة السياسة التركية وتبرير تدخلاتها المتطرفة في الأراضي السورية؛ فإن القراءة المتعمقة لطبيعة تكوين العقلية السياسية التركية ولبنيتها الاجتماعية ولإرثها التاريخي أمر غاية في الأهمية لفهم التوجهات المتطرفة التي يؤمن بها صانع القرار التركي ولأطماعه التوسعية ولنظرته الفوقية تجاه العرب بشكل خاص وموروث الأمة العربية بشكل عام. وإذا ما تم ذلك بدقة وعناية شديدة، فسوف يسهل بعده التعامل مع السياسة التركية وتفادي الوقوع تحت تأثيراتها السلبية كما يحدث في وقتنا الحاضر الذي أصبحت فيه تركيا موجودة في بعض الأقاليم العربية، ومتطلعة لما هو أكثر من الوجود بغض النظر عن شاكلته وطبيعته كما تفعل في إقليم إدلب.

وكما كان إقليم الإسكندرونة مُهماً جداً للدولة التركية من الناحية الجغرافية والثروة الطبيعية والحدود الساحلية والموانئ البحرية والأراضي الزراعية الشاسعة والطبيعة المناخية، فإن إقليم إدلب سيضيف لإقليم الإسكندرونة الكثير سواء من ناحية الموقع الجغرافي المجاور لإقليم الإسكندرونة أو من ناحية خصوبة الأراضي الزراعية أو من ناحية الطبيعة المناخية أو غيرها من مميزات أخرى متعددة بتعدد المنافع التي يوفرها هذا الإقليم السوري - العربي. فتركيا التي استولت واحتلت إقليم الإسكندرونة وأضافت لمساحتها الجغرافية أرضاً عربية واستفادت من ثروات وخيرات ومقدرات ذلك الإقليم العربي السليب، فإنها أيضاً تتطلع وتطمع في أن يضيف لها إقليم إدلب بشكل أو بآخر ما أضافه لها إقليم الإسكندرونة على مدى ثمانية عقود مضت. بهذه الاستراتيجية التوسعية طويلة المدى تفكر تركيا، وبهذه العقلية الاستعمارية يتفكر صناع القرار في الدولة التركية، وبهذه الأساليب والسلوكيات المتطرفة ترسم السياسات التركية، وبتلك الممارسات الإرهابية والإجرامية تُنفذ السياسة التركية على إقليم إدلب وأبنائه كما نُفذت تاريخياً على أراضي إقليم الإسكندرونة.

وفي الختام من الأهمية القول: إن على الأمة العربية أن تدرك أن المخططات الأجنبية والقرارات الدولية التي صادقت على منح إقليم الإسكندرونة إلى تركيا قد تعود مجدداً لتمنح إقليم إدلب أو غيره من أراضٍ عربية إلى تركيا أو إلى غيرها من أعداء الأمة العربية الطامعين فيها وبخيراتها وثرواتها ومقدراتها. إننا فعلاً كأمة عربية نواجه تحديات إقليمية ودولية متصاعدة تتطلب منا أن نعيها وعياً شديداً وندرسها دراسة علمية دقيقة تتضح من خلالها الحقائق وتوضع بناءً عليها السياسات وترسم الخطط التي تحفظ للأمة مكانتها وتعيد هيبتها وتعز مجتمعاتها. إننا كأمة عربية نستطيع فعل ذلك بما نملك من مقومات هائلة ومتنوعة طبيعية وبشرية وغيرها من مقدرات. إنه التاريخ الذي يجب دراسة أحداثه ووعي نتائجه وإدراك حركاته وسكناته قبل أن يعود مجدداً ليسلُبنا الحاضر كما سلبنا الماضي.

* نقلا عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة