.
.
.
.

العمل بروح الفريق

عبدالله السعدون

نشر في: آخر تحديث:

دروس كثيرة عاشها العالم ولم تتضح كل آثارها بعد، وسيكون الأقل تضرراً من يدرس نتائجها ويستفيد من دروسها على جميع المستويات، ليخرج أكثر قوة وصلابة وقدرة على الاستدامة وخاصة في الاقتصاد والصحة والتعليم عن بعد..

مثل فرقة موسيقية تدرب أفرادها طويلاً مع بعضهم، عملت الحكومة بكل مؤسساتها بتناغم وتنسيق وسرعة لمحاصرة الوباء وحماية المواطن والمقيم، ليس داخل المملكة فقط، ولكن حتى للمواطن في الخارج، استنفر الوطن سفاراته لتقديم السكن والوجبات دون مقابل للعالقين في مختلف الدول، وفي الداخل قامت كل وزارة بما يوكل إليها من مهام بكل اقتدار واحتراف، فسبقت المملكة بعض الدول المتقدمة في إجراءات محاصرة الوباء بجهود جميع الوزارات والهيئات المعنية، فعمل الجميع بروح الفريق وهذا هو ما جعل الجهود تكلل بالنجاح والحمد لله.

دروس كثيرة صحية واقتصادية وأمنية وتعليمية وبيئية نمر بها اليوم، وهذه بحاجة إلى دراسة وتقييم، ثم استنباط الدروس ومعرفة أوجه القصور، وخصوصاً في الرعاية الصحية وقدرة المستشفيات على التعامل مع مثل هذه الحالات في المستقبل، كعدد الأسرة والأطقم الطبية والمعدات، والعمل والتعلم عن بعد، وكيف سيؤثر هذا الوباء على الاقتصاد في الداخل وعلى مستوى العالم، وقد يكون أكبر حدث يعيشه العالم منذ الحرب العالمية الثانية، ولذا أرى أن ندرس ما نمر به اليوم بعناية، ونأخذ بكل ما فيه من دروس وعبر، ونقاط قوة وأوجه قصور لنستعد للمستقبل، ونزداد قوة ونجنب منظومتنا الصحية والاقتصادية آثار ما بعد الوباء ومن ذلك الآتي:

أولاً: درس عملي عاشته المملكة وهو أن الوقاية من المرض خير من انتظار المريض إلى أن يصل إلى المستشفى، فلولا الإجراءات الصارمة التي اتخذت في وقت مبكر كإيقاف الدراسة في كل المراحل، ثم منع التجمعات والمناسبات، والاكتفاء بالأذان في المساجد، ووقف الرحلات الجوية والنقل الجماعي، وآخرها منع التجول ليلاً إلا للضرورة، ونشر تعليمات الوقاية بأكثر من وسيلة، لو لم تقم المملكة بذلك لأصبحت مثل بعض الدول الأوروبية التي تأخرت عن القيام بمثل هذه الإجراءات، كل ذلك يقودنا إلى أن نركز في المنظومة الصحية على الوقاية ومنع حدوث المرض من الأساس، ولدينا من مسببات الأمراض ما هو معروف وتأثيره أخطر من وباء كورونا المستجد، ومن ذلك وباء السمنة وما يصاحبها من أمراض، والتدخين والمخدرات وحوادث الطرق، وهذه المسببات مجتمعة تشغل ما لا يقل عن نصف عدد الأسرة في المستشفيات، وتسبب آلاف الوفيات والإعاقات الدائمة سنوياً. الرعاية الصحية الأولية هي أقل أنواع الرعاية الصحية تكلفة، لكنها بشهادة الجميع أكثرها تأثيراً وفائدة، وهو ما يعني أن نركز على الطلبة في مدارسهم، وتعزيز المستوصفات الموجودة في الأحياء لتقوم بدورها في منع الأمراض والتوعية بمسبباتها.

ثانياً: الاستعداد للطوارئ يتطلب الخطط الاستباقية، وإجراء التمارين العملية وتقييمها، أتذكر جيداً أن من أهم ما رفع الجاهزية في القوات الجوية هي التمارين الجوية وتقييمها ثم تكرارها بصفة مستمرة، والاستعداد للطوارئ يتطلب وضع جميع الاحتمالات والكوارث سواء كانت طبيعية كالزلازل والفيضانات، أو المصطنعة كالحروب والحرائق وغيرهما، ليس في داخل المملكة فقط، ولكن في خارجها، فليس أجمل وأفضل من أن تكون المملكة بشعارها وعلمها الخفاق أول الواصلين إلى من هم بأشد الحاجة إلى المساعدة وفي أي مكان من العالم، وقد رأينا ذلك عند قيام الصين بدعم كل من صربيا وإيطاليا وتأثير ذلك على الحكومتين والشعبين الصربي والإيطالي، وهذا العمل من أهم وسائل إذابة الخلافات واكتساب القوة الناعمة على مستوى العالم.

ثالثاً: كانت الفائدة كبيرة من منع التجول لمحاصرة الوباء، ومفيدة أيضاً في تقليل حوادث الطرق وتلوث الهواء والضوضاء وتأثير ذلك على جودة الحياة، وتخفيف الضغط على خدمات الطوارئ في المستشفيات والخدمات الإسعافية، وحماية الأرواح وتقليل أعداد المعوقين بسبب الحوادث، وهذا لا يعني أن نمنع التجول ليلاً، لكن أن نمنع المستهترين بحياتهم وحياة غيرهم والمسببين للإزعاج خصوصاً بعد العاشرة ليلاً، والبحث عن وسائل مختلفة لتقليل عدد المركبات على الطرق بإيجاد وسائل مختلفة للترفيه تعوض الشباب عن استخدام السيارات للدوران وتزجية الوقت، وجعل النقل العام في متناول الجميع من حيث التكلفة، وتقوية جهاز المرور وتعزيزه بحيث يستطيع الوجود والتعامل مع جميع الحالات، واستخدام التقنية لضبط السرعة والتجاوزات على الطرق الرئيسة وداخل الأحياء.

دروس كثيرة عاشها العالم ولم تتضح كل آثارها بعد، وسيكون الأقل تضرراً من يدرس نتائجها ويستفيد من دروسها على جميع المستويات، ليخرج أكثر قوة وصلابة وقدرة على الاستدامة وخاصة في الاقتصاد والصحة والتعليم عن بعد، وضبط الشارع لما فيه مصلحة الجميع، وحماية البيئة وإيقاف الهدر بكل أشكاله.

* نقلا عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة