.
.
.
.

معضلة قطار "كورونا"

عبدالرحمن السلطان

نشر في: آخر تحديث:

تعجّب كثيرون من منطق نائب حاكم ولاية تكساس الجمهوري "جوف دان باتريك"، الذي قال في مقابلة تلفزيونية عبر قناة فوكس إنه يفضّل الموت على رؤية تدابير الصحة العامة التي تضر الاقتصاد الأميركي!

هذا السياسي السبعيني ينطلق من فلسفة نفعية قد يمكن اعتبارها الأفضل لغالبية المجمتع، فهو يرى أن الأثر السلبي لإيقاف الأعمال "يمكن أن ينهي الحياة الأميركية كما يعرفها"، وأنه مستعد للمخاطرة بالموت لحماية الاقتصاد لأحفاده!

لنضع جائحة "كورونا" على الجانب، ولنتصور قطاراً قادماً بكل قوة، متجهاً نحو خمسة أشخاص مقيدين على مسار القطار، بينما تقف أنت بالقرب من عتّلة المحوّل التي تتحكم بالمسار، ويمكنها تحويل القطار نحو مسار آخر، لكن يوجد شخص واحد عالق على هذا المسار؛ فماذا سوف تفعل؟

إما أن لا تفعل شيئاً، وتسمح للقطار بقتل أولئك الخمسة! وإما أن تسحبه نحو المسار الثانوي فيقتل الشخص الواحد! هل خسارة شخص واحد أفضل من خسارة خمسة! أم تترك القطار ليدهسهم فهذا قدرهم! كما أنه لا ذنب لذلك الشخص الذي لم يكن في طريق القطار أصلاً! الغريب أن هذه المعضلة الأخلاقية حينما طُرحت على المئات من مختلفي الخلفيات والأعمار؛ وجد تسعون بالمئة منهم أن القرار الأفضل هو تغيير المسار نحو التضحية بواحد مقابل الخمسة.

هذا القرار يتوافق مع توجهات ما يطلق عليه بالفلسفة النفعية، التي كان يدعو لها الفيلسوف الإنجليزي "جيرمي بانثام" منذ القرن التاسع عشر، وملخص هدفها: "تحقيق أكبر قدر ممكن من المنفعة لأكبر عدد من الناس"، كما أن "السعادة المطلقة لأكبر عدد من الأشخاص هي مقياس الصواب والخطأ" وهو ما يتضح جلياً في معضلة القطار، عبر الاهتمام بالنتائج: "حفظ أرواح الخمسة" وليس صحة الفعل المؤدي لها: "التضحية متعمداً بروح واحدة".

لكن ماذا لو كان الشخص المتواجد على المسار الثانوي شخصٌ نعرفه أو من أحبائنا، هل سوف نتخذ قرار التضحية به كما الشخص المجهول؟ ماذا لو كان الخمسة زمرة من المجرمين هل سوف نؤكد على هذا القرار؟ ما معيار المقارنة؟ وبعدها العملي والأخلاقي؟.

هل يمكن تطبيق حلول هذه المعضلة على ما نعانيه اليوم من أزمة "الكورونا" التي تعصف بنا؟ هل من الأفضل استمرار إيقاف الحياة العامة ودورة الاقتصاد وبالتالي التأثير السلبي المتراكم على منفعة الأغلبية للحفاظ على أرواح الفئات الأكثر خطورة؟ أم أن منفعة الأغلبية تستحق التضحية بالأقلية كما يرى نائب حاكم ولاية تكساس؟

أسئلة يزيد صعوبتها أن الأخذ بالفلسفة النفعية يؤدي إلى تقبل ممارسات تعد جرائم إنسانية، مثل مأساة الهجوم النووي على هيروشيما وناجازكي ومقتل مئتي ألف ياباني بزعم الحفاظ على حياة مئات الآلاف من الأميركان، أو تقبل الإبادات العرقية للأقليات في إفريقيا في سبيل العيش الرغد للأغلبية! أسئلة تختبر حسنا الأخلاقي في زمن الكورونا.

* نقلا عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.