.
.
.
.

عام العجائب

فضيلة الفاروق

نشر في: آخر تحديث:

في العام 1665 كان إسحاق نيوتن في الثالثة والعشرين من عمره، طالباً في كلية ترنيتي بجامعة كامبردج، بعد عدة أشهر في ربيع ذلك العام تحصل على شهادته الجامعية، وغادر مع أسرته إلى مزرعة في وولستورب مانور على بعد ستين ميلاً غرب كامبريدج، كان الطاعون حينها يحصد أرواح الإنجليز في لندن ويمحي معالم الحياة في المدينة العظيمة.

نيوتن في خلوته الريفية تلك توفرت لعقله كل الأجواء المناسبة للتفكير، فانكب مشتغلاً على نظرية بدأها الفرنسيان رنيه ديكارت وبيير دي فيرمات، كان بحاجة لسنة كاملة ليحقق النتائج المبهرة التي أنقذت بريطانيا والعالم أجمع، إذ في "نهاية العام 1666 كان قد حلّ المشكلة بسلسلة من الأوراق حول قواعد "التّدفق" والمعروفة الآن باسم حساب التفاضل والتكامل".

هذه النظرية ستكون قاعدة للحساب في مجالات كثيرة منها الهندسة والاقتصاد والطب، وهنا علينا ألا ننسى أن العلماء المسلمين وأهمهم ابن الهيثم اشتغلوا على نظريات مماثلة، ولولا دخول الشعوب الإسلامية في متاهات تحريم الرياضيات وتكفير العلماء، لما تعثرت عملية تطورنا، ولما محت الكوارث والحروب حضاراتنا. لنقل إن ما حدث ولّى، وإن البداية التصحيحية لمناهجنا التعليمية ليست صعبة، إذ أعتقد أن الأمر يحتاج فقط لبعض الإرادة، والتفاؤل.

نيوتن الذي حقق ثلاثة اكتشافات عظيمة خلال فترة الحجر الصحي لم يفكر في نهاية العالم كما فكّر غيره آنذاك، لهذا سمي ذلك العام بعام العجائب، فقد وجد الأجوبة لأسئلته حول مكونات الطيف وسر الضوء الأبيض، وعرف سر الجاذبية، وكلها نظريات قلبت العالم فلم يعد كما كان أبداً.

إن أي وباء معدٍ لا يحتاج لطبيب فقط بقدر ما يحتاج لإحصائيات دقيقة، تحدد عدد المرضى، مدة الشفاء، عدد الوفيات، وتصاعد العدوى، في الغالب عالم الرياضيات وحده يحوّل المشكلة على ضخامتها وعظمتها إلى معادلة رياضية حلّها يزيل الغموض عنها ويحدد مراحل احتوائها.

في منتصف القرن الثامن عشر ظهر علماء رياضيات أصروا على تأسيس علوم طبية حقيقية قائمة على الإحصاء، لمواجهة الأوبئة، كانت آنذاك فترة انتشار الجدري، والعجيب أن كل وباء مهما كان مرعباً نجد واحداً من عباقرة الرياضيات في مواجهته بتقديم الأرقام اللازمة لمعرفة سرعة انتشار الوباء، وعدد المصابين المتوقع، وقياس فترة انحساره حسب المعطيات الرقمية التي يتم جمعها، وهذا ما أدى إلى ظهور قانون الوباء الرياضي الذي يصاحب ظهور الأوبئة لمواجهتها والانتصار عليها.

لماذا أسرد لكم هذه الحكاية؟ في الحقيقة حزّ في نفسي كم الأخبار المغشوشة، والمعلومات الخاطئة التي اجتاحت مواقع التواصل الاجتماعي، وملأت هواتفنا النقالة، بعد أن استلطفها الناس، وقد كان من المفيد لنا جميعاً أن نفتح نوافذ حقيقية على العلم، حتى وإن أمضينا بعض الوقت في التسلية، فإن الوقت قد حان لنتعامل مع مشكلاتنا بصرامة الرياضيات.

* نقلا عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.