.
.
.
.

مزارع الدواجن السرية!

عبدالرحمن السلطان

نشر في: آخر تحديث:

لماذا يتأخر توفير لقاح فيروس كورونا المستجد؟ السبب ببساطة عدم كفاية مزارع الدواجن "السرية"!

نعم، قد يتعجب البعض من ذلك، لكن البيض وبالطبع توافر الدجاج البيّاض يلعب دورًا أساسيًا في إنتاج مثل هذا اللقاح، فمثلًا نحتاج على الأقل إلى 900 ألف دجاجة تبيض بيضة واحدة يوميًا لمدة تتراوح بين ستة إلى تسعة أشهر حتى نستطيع تغطية احتياج سكان الولايات المتحدة وحدها!

الإشكالية الكبرى هنا أن شركات الأدوية لا تستطيع أن تستثمر في إنتاج لقاحات قد لا يشتريها أحد، خصوصًا أن دورة اكتشاف وتطوير اللقاح، ثم إنتاجه من ملايين البيض قد تستغرق مدة تقارب العام، حينها تكون جائحة الفيروس قد تراجعت واندثرت، مثلما حصل مع لقاح فيروس "سارس" الذي ما إن بدأ الإنتاج إلا وانحسر الفيروس!

ولكن قبل القصة المثيرة لمزارع الدواجن السريّة تلك، دعونا نتعرف على طريقة إنتاج لقاحات الفيروسات؛ إذ تعد طريقة الاستزراع بواسطة بياض البيض هي الطريقة الأكثر استخدامًا منذ الخمسينيات، تبدأ بكزّ البيضة بحقنة تحتوي على الفيروس، ثم تحضن فترة محددة، ثم يُجز رأس البيضة بما لا يتجاوز عُشر حجمها، ثم يستخلص البياض ويُغزل ثم يُغسل، لضمان نقاوة الفيروس، ثم يقطع أو يضعّف، ليستكمل خطوات الصناعة الصيدلية حتى يكون جاهزًا للحقن.

المهم هو ما بدأ بعد أسابيع من أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، حينما تلقى عددٌ من المسؤوليين الأميركان طرودًا بريدية تحتوي على بودرة بيضاء مجهولة عُرف لاحقًا أنها جرثومة الجمرة الخبيثة. وبالطبع لم يكن اللقاح متوافرًا؛ لأنه ليس مجديًا تجاريًا أن تنتج لقاحًا لا يدفع ثمنه أحد! في تلك الأثناء تأسست هيئة حكومية لتطوير الأبحاث الحيوية الطبية المتقدمة BARDA، التي تولت زمام التصدي للتهديدات الحيوية، فدخلت في شراكات بحثية مع شركات الصيدلة ومركز الأبحاث، وتشاركت تكاليف التطوير وبناء المنشآت ومصاريف الباحثين، والأهم أنها التزمت بشراء كميات ضخمة سنوية من لقاحات الفيروسات التي يمكن أن تشن بها حروبًا حيوية أو تتفشى في المجتمع، تخزّن في مواقع متفرقة، وبالطبع لإنتاج هذه الكميات الضخمة من اللقاحات لا بد من مزارع دواجن ضخمة، فكان أن أنشأت عددًا من مزارع الدواجن الضخمة في مواقع سرية بعموم الولايات المتحدة! يقدر عددها بنحو 35 مزرعة بتكلفة تجاوزت 44 مليون دولار، ناهيك عن أن عدد الشركات ومراكز الأبحاث قفز من شركة واحدة إلى 20 شركة ومركز بحث خلال 18 عامًا، وحاليًا تعاقدت الهيئة مع شركتين تسابقان الزمن لاكتشاف اللقاح، ثم إنتاجه تجاريًا بعد موافقة هيئة الغذاء والدواء الأميركية.

يتعجب كثيرون من صعوبة إنتاج لقاح، والحقيقة أن القصة ليست مجرد اكتشاف المركب، بقدر توافر نظام متكامل من سلسلة مراكز الأبحاث والترخيص والصناعة والرقابة... وبالطبع مزارع الدواجن "السرية"!

* نقلا عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.