.
.
.
.

الحياة لا تموت دفعة واحدة

عبده خال

نشر في: آخر تحديث:

في بداية العزل كانت نفسي متهالكة ليس خشية من الفايروس وإنما هي حالة تنتاب الإنسان بصورة ما.

الأصدقاء العاملون في وسائل إعلامية تواصلت اتصالاتهم لأخذ رأيي حول مفاصل صحفية عدة، ولحبي لهم لم أرفض أي طلب.

كتبت آراء عدة حرصت فيها على تناول كل فكرة بمعزل عن إجاباتي المتلاحقة، وكانت الأحداث متلاحقة عن هذا الفايروس الذي غزا كل الدول من غير رحمة، ومع كل حدث تنفك عرى أواصر علاقات كانت بالقوة التي تشك في فكاكها، فمثلاً ما حدث في أوروبا وتخلي الاتحاد الأوروبي عن غرق إيطاليا وإسبانيا مما حدا بكتابهما ومواطنيهما الاستباق بفرض الوحدة الأوروبية، كما أن الفايروس نخر في مفهوم العولمة، ومع الضحايا ظهرت حروب الأدوية والمستلزمات، وقبلها انهيار القوى الطبية في دول كثيرة. وهذا يعني أن أحكامك لما بعد انجلاء الفايروس ستتغير وفق ما يحدثه الفايروس من خلخلة عالمية.

وإن كانت المؤشرات تشي بطول أمد مكوث الفايروس، فالضعف الاقتصادي والطبي لبعض الدول في أفريقيا وآسيا وأمريكا الجنوبية يشير إلى أن الفايروس سيحرق كثيراً من تلك الدول، ومكوث الفايروس بها يعني ملايين الضحايا، ويعني فصل تلك الدول عن بقية العالم.

وتصبح خارطة العالم ذات بقع دولية موجودة على الخارطة فقط، ومحظور انتقال مواطنيها أو دخول أحد إليها.

والآن ظهرت اختلافات الآراء حول الحظر ومدى استمراره أو الخروج منه، فبعض دول العالم أرادت تعزيز اقتصادها كسويسرا التي لم تقم بالحظر، وقد اتخذها البعض نموذجاً لأهمية تعزيز الجانب الاقتصادي، مطالبين دولهم بذلك التحرك دون النظر للإصابات، فبعض رجال الأعمال أصر على المطالبة بتسيير العجلة الاقتصادية وحجتهم: من يصاب يتعالج، ومن يموت يموت!

وهذه الدعوة أعادتني للحالة النفسية المتهالكة التي لا تستطيع الخروج منها بسهولة، متذكراً السوداوية التي نشأت من اعتذار الأطباء الإيطاليين حينما أعلنوا أن ثمة مصابين سيتم إهمالهم أو تقديمهم للقبر بحسن نية.

فتصور معي لو أن كل دول العالم ارتكبت تلك البشاعة وهي: التخلي عمن ليس لديه فرصة للنجاة، تصور!

سأكفيك خصوبة التخيل لديك، وسأقول لك إن مكث هذا الفايروس شهوراً ستتبارى الكثير من دول العالم في تقديمنا هدايا للقبور، وسيطوفون بالجثث لمقابر لم تفتح بعد.

هذه النهاية لم تخطر ببال أشد المخرجين لأفلام الرعب تجسيد مثل هذا المشهد.. والله لم يخطر ببال أحد.

الآن وبحمد لله انتهيت من كل تشاؤمي، وانتقلت إلى إيماني الخاص بأن ليس هناك موت وإنما حياة خالدة، الفرق اختلاف الزمان والمكان. فالحياة لا تموت دفعة واحدة.

لنتفاءل إذاً.

* نقلا عن "عكاظ"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.