.
.
.
.

*إجراءات الحد من كورونا وتصرفات السفهاء*

نايف العساكر

نشر في: آخر تحديث:

ألزمت حكومة المملكة العربية السعودية المواطنين والمقيمين على أراضيها باتباع إجراءات مبنية على المصالح العامة ، وحفاظا على صحة الناس بما قرره أهل الخبرة من الأطباء وغيرهم ، ومن المنظمات العالمية ، ولم تأت عبثا .

ونحن رأينا ما بثته من كلام مرئي ومسموع ومكتوب إحدى الجماعات الإرهابية الضالة: جماعة الإخوان المسلمين في إحدى الدول الشقيقة ، توجه فيه أتباعها ، إلى التمرد على توجيهات الدولة وقراراتها، وعصيانها ؛ لأجل أن يصيب هذا الداء الجيش والأمن بل الشعب كله ، بل ويدعون الشعب إلى قتل نفسه بنفسه، حين يدعونهم إلى ترك البقاء في المنازل، ويطلبون منهم الخروج إلى الأسواق والطرقات، واللقاء مجتمعين، وهذا غير مستنكر منهم؛ لأنها جماعة قائمة على سفك الدماء وتدمير الدول وهتك الحرمات ، ولكن المستنكر أن يصدر هذا من بعض بني بلادنا المباركة ، من غير اتهام لهم بانتماء إلى جماعة أو تنظيم، وإنما قد يكون لأمور لا نعلمها ، الله يعلمها .

ورغبة مني في نشر الخير والتعاون على البر والتقوى، وتحذيرا من التساهل في هذا، فأقول : إن عدم الالتزام بما ألزم به ولي الأمر في هذا جرم عظيم، وارتكاب للمعصية، واستخفاف بالحرمات، وذلك من وجوه منها:

أولا: مخالفة قوله تعالى : {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ } [سورة النساء:59] وكذلك الأحاديث الصحيحة الصريحة الموجبة لطاعة ولاة الأمور، المحرمة معصيتهم ، كقول النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه الشيخان : (من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن يطع الأمير فقد أطاعني، ومن يعص الأمير فقد عصاني).

وولي الأمر في هذه البلاد ألزم بهذه الإجراءات، فمخالفته معصية لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم ، ومخالفة للنصوص.
ثانيا: أن في هذا تقليلا من شأن هذه الإجراءات ، وهذا لا يجوز؛ فالمسلم سامع ومطيع لولاة أمره في العسر واليسر والمنشط والمكره، فكيف بأمر عم العالم بأسره، وأقر بعظمه الناس في مشارق الأرض ومغاربها.

ثالثا: ما تحمله هذه التصرفات من التشكيك في قرارات ولاة الأمور ، بل والدعوة لذلك، وهذه بلية كبيرة، إذ ينبغي جمع القلوب وتأليفها على ما يصدر من ولاة الأمور من إجراءات وقرارات وأوامر، ومن المعلوم أن الخوارج الأولين والآخرين وفي مقدمتهم الإخوان المسلمون الإرهابيون هم من يرفع راية التشكيك في قرارات ولاة الأمور والدعوة إلى ذلك، فقد قال أولهم للنبي صلى الله عليه وسلم في قَسْمٍ قَسَمَه: (ما عدلت) رواه البخاري.

والأصل في ولاة الأمور أن نعتقد نصحهم للرعية، وأنهم يبذلون الجهد والوسع في ذلك، وهو ما عهدناه من حكومة المملكة العربية السعودية: مولاي خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز وسمو سيدي ولي عهده الأمين – حفظهما الله – .
ومن ظن غير ذلك ، فقد ظَنَّ ظَنَّ السوء يقول الله تعالى : {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ } [سورة الحجرات:12] ويقول النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه البخاري ومسلم: (إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث)

فينبغي للمسلم الحذر من موافقة الخوارج وهو لا يشعر، وينبغي له اطراح رأيه عند رأي ولاة الأمر؛ لأن لديهم من العلم وأدواته ما ليس عند غيرهم، كما قال تعالى : {وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلا} [سورة النساء:83] وهؤلاء أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم – وفيهم الفاروق المحدث عمر بن الخطاب رضي الله عنه – طرحوا رأيهم لرأي أبي بكر رضي الله عنه في حرب المرتدين، ولم يخالفه واحد منهم، مع أن لبعضهم رأيا قبل ذلك كما ثبت عن عمر بن الخطاب –رضي الله عنه- .
رابعا: أن في هذا التصرف إيذاء للمؤمنين، والله عز وجل يقول : {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا} [سورة الأحزاب:58]

والذي يخالف قرارات الدولة ، فإنه – بالتعرض للخطر - قد آذى نفسه أولا؛ لأنه من المؤمنين، وإيذاء نفسه غير جائز شرعا؛ لقوله تعالى : { وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ } [سورة البقرة:195] ولقوله تعالى : { وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (29) وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللّهِ يَسِيرًا (30)} [سورة النساء:29-30]
كما أنه آذى غيره من المسلمين ، بتعريض نفسه بحمل الفيروس الذي قد ينتقل –بإذن الله- إلى أهله وجيرانه وأهل بلده، والناس لا يرضون بهذا، ويعدونه جناية عليهم .

خامسا: أنه آذى غير المسلمين ممن يعملون في هذه البلاد، وعرض حياتهم للخطر والتلف، والنصوص الواردة في تحريم هذا كثيرة. يقول النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه البخاري في الصحيح : (من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها توجد من مسيرة أربعين عاما).

سادسا: أنه جعل نفسه قدوة لارتكاب المعصية، وخاصة إذا كان المخالف من ذوي الشهرة، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول فيما رواه البخاري ومسلم : (ليس من نفس تقتل ظلما إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها، لأنه كان أول من سن القتل)
ويقول صلى الله عليه وسلم فيما رواه مسلم (ومن سن في الإسلام سنة سيئة، فعمل بها بعده، كتب عليه مثل وزر من عمل بها، ولا ينقص من أوزارهم شيء )
والمؤمن يسأل الله أن يجعله إماما في الخير، لا في الشر {وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا} [سورة الفرقان:74] .

سابعا: أن في هذا تغريرا بالناس، وهو مناف للنصح الذي أوجبه الله تعالى كما في قول النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيح حين سألوه عن النصيحة لمن؟ فقال :(لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم).

ثامنا : أنه جاهر بمعصيته ومخالفته لما قرره ولاة الأمر ، وقد جاء الوعيد في هذا عظيما، يقول النبي صلى الله عليه وسلم : (كل أمتي معافى إلا المجاهرين، وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل بالليل عملا، ثم يصبح وقد ستره الله عليه، فيقول: يا فلان، عملت البارحة كذا وكذا، وقد بات يستره ربه، ويصبح يكشف ستر الله عنه)

وهذا ما يرى اليوم من إعلان الواحد من هؤلا معصيته بإفشائها في وسائل الإعلام مفتخرا بها .
وإذا كان فعله سرا لا يجوز، فإن إعلانه أشد حرمة .
وبعض العامة ، قد يثق بهؤلاء وتصرفاتهم، فيتابعهم عليها، فيقع فيما وقعوا فيه من المخالفات الشرعية.

تاسعا: أن إعلان المخالفة من تطلب الشهرة، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول فيما رواه الإمام أحمد في مسنده وأبو داود وابن ماجه في السنن: (من لبس ثوب شهرة في الدنيا، ألبسه الله ثوب مذلة يوم القيامة)
والثوب هو ما يلبس، ويكنى بها كثيرا عن العمل.

وتطلب الشهرة بهذا الأمر، كان يعده العلماء من الحماقة، وقد ذكر أبو الفرج ابن الجوزي – رحمه الله – في كتابه أخبار الحمقى والمغفلين- شيئا من هذا.

عاشرا : أن المخالف ومعلن المخالفة حمل الناس على كرهه بتصرفه هذا، وجعل عِرضه محلا للنقد والسخرية، وخرم مروءته بنفسه، وهذا لا يفعله عاقل ؛ لأنه لا يزداد من العقلاء إلا ازدراء واحتقارا وبعدا.
أسأل الله تعالى أن يهدينا لأحسن الأقوال والأعمال، لا يهدي لأحسنها إلا هو ، ويصرف عنا سيء الأقوال والأفعال، لا يصرف سيئها إلا هو .
كما أسأله أن يوفق قيادتنا الرشيدة ، وأن يسددها، ويحفظها، وأن يرفع الغمة والوباء.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.