مديح العزلة

حسين علي حسين
حسين علي حسين
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
3 دقائق للقراءة

طوال حياتي كنت ميالاً إلى العزلة المنزلية، وكنت آخذ طرف الحياد تجاه الضيوف الذين يطرقون الباب، للقاء أحد من سكان المنزل، وكان الشعار الذي وضعته منذ القدم مع نفسي "حالي حال نفسي"! ورغم ما في هذا الشعار من أنانية وانطوائية، إلا أنني استمررت عليه، إلا قليلاً، رغم معرفتي بعيوبه، وأولها أن هذا المبدأ يجعل الناس، ومنهم أقارب وأصدقاء، يتحرجون من الطرق على باب منزلي للالتقاء بي!

ورغم هذا الميل إلى العزلة، إلا أنني لم أقصر في أي وقت عن القيام بواجب زيارات الأقارب والأصدقاء، عندما يدعونني، أو عندما تمر بهم ظروف تقتضي زيارتهم أو السؤال عنهم. فرض العزلة على نفسي، والتعايش معها لم يكن كرهاً أو تكبراً أو زهداً في الاختلاط بالناس، ولكنه كان نتيجة عادة ألفتها وألفتني، خاصة أن هواياتي على قلتها، بنت عزلة وتواصلاً عن بعد وإن كان ولابد من طلب للتواصل ففي أضيق الحدود.

هذه العادة جعلتني أتعايش بسهولة ويسر مع هذه الأيام الحامضة، التي يمر بها العالم كله في هذه الأيام. جائحة ثقيلة جعلت الشعار الجماعي للناس كلهم "من بعيد لبعيد حبيتك!"، فلا مصافحة، ولا قبلات، ولا جلوس في المقاهي والمجالس كتفاً لكتف، حتى الأبناء في المنازل، مع آبائهم وأمهاتهم، عليهم قدر الإمكان عدم إدمان الجلسات الحميمية، بل يستحسن أن يلزم كل واحد غرفته قدر الإمكان. حالة لا شبيه لها، لكنها أصبحت واقعاً، مثلها مثل الضيوف الثقلاء الذين عندما يحلون في دارك يتصرفون وكأنهم في دارهم، فيعطون الرأي الحاد في الأكل والشرب، وتفصيل الغرف وألوانها، وضيق المجالس واتساعها، هذه "الكورونا" دخلت بصمت ودون أن ينتبه أحد، وتمددت على راحتها، في أنفاس السكان وأجسادهم، وهواء غرفهم ومطابخهم وحماماتهم، لذلك يجب أن يكون الحذر منها بحجمها!

منذ شهرين، أو من الوقت الذي بدأت فيه تمددها الغريب، خصصت لنفسي ساعة خروج واحدة، ربعها للطواف حول المنزل، وثلاثة أرباعها لشراء أغراض البيت، وما بقي لفعالياتي القديمة الجديدة، القراءة، الجلوس أمام التلفزيون، الكتابة التي أصبحت ممتعة بعد تعلمها على الكمبيوتر، وهي كتابة جيدة بالنسبة لشخص قضى عمره لا يخط حرفاً على ورق، إلا بواسطة القلم. الآن أصبحت أرى الكتابة بالقلم من ألوان العذاب، مع أنني كنت أتغنى بها! بواسطة هذه الطريقة أصبحت أشتغل على العديد من الكتب أو المخطوطات التي أهملتها.

هذه الأزمة التي يمر بها العالم كله، من الممكن أن تكون فرصة لنا لإنجاز أفكار كثيرة، ومشروعات أسرية واجتماعية معطلة. وهي فرصة ثمينة للتواصل الاجتماعي، وللسؤال عن أهل وأحباب ألهتنا تصاريف الحياة عنهم، وهي فرصة لمجاهدة النفس، وتعويدها على التعايش مع الآلام والشدائد. أشياء كثيرة كنا لا نجد الوقت لإنجازها لانهماكنا في الأعمال والالتزامات الاجتماعية. عزلة هذه الأيام من الممكن أن تكون عوناً لنا على إنجازها، من المنزل، وليس المكتب، أو الاستراحة، أو الشارع، وهذه الأيام فرصة للالتفات إلى مملكة المنزل!

* نقلا عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط