.
.
.
.

تخاريف الحجر الصحي

ملحة عبدالله

نشر في: آخر تحديث:

في تأملات فردية جعلت الواحد منا يسترجع ما كان يدور بخلده من تاريخ الحضارات التليدة وعن هوية وتكوين شخصيات هذه البلدان وكيف تبينت، ومن ماذا اكتسبت صلادتها. وكانت هذه التساؤلات تجوب بالخلد حينما تفشى كوفيد 19 في كل أنحاء العالم. فيروس لا يُرى سوى بأدق الميكروسكوبات تخضع له رقاب المسؤولين والمنظرين وملاك الأسلحة بشتى أنواعها ورأينا أن عظميات الدول - والتي يخشى العالم كله الحديث عن أسلحتها البيولوجية وأنها تمتلك الجمرة الخبيثة وغاز السارين المحرم دولياً وغاز الأنثراكس الذي قيل عنه: إن لو نُثرت منه زجاجة في سماء ليلة ربيعية فسيموت نصف سكان الأرض وغير ذلك من الحديث الذي لا يتسع له المقال عن هذه الأسلحة – نجدها لا تمتلك حتى الكمامات الكافية لحماية أفرادها ولا تستطيع توفير أجهزة التنفس الصناعية وهذا أقل ما في الأمر.

حقيقة أن هذا الوباء قد كشف لنا (كرتونية بعض الدول) وهي عديدة، وأن الإنسان هو حطب الوقود كالمعتاد في أي من هذه الأمور!.

ماذا يفعل الإنسان الذي أسلم قياد عنقه تلك الدعوات بأنها هي من تدافع عن حقه في حياة كريمة حرة أبية على وجه الأرض، وفي أي مكان، وهو لا يعلم أن ما يُحكم سيطرته على هذا الفضاء العالمي هو تلك المحاولة المستفيضة في السيطرة على رأس المال العالمي من شركات ورؤس أموال وعمالقة جيوب لا تتسع لما تحويه من مقدرات قد تحل أزمات العالم بأسره، فإذا ما اقترب كوفيد كان الهاجس الأول ليس الإنسان كما كانوا يدعون، بل إنقاذ الاقصاد وهذا أمر مشروع ولا ننكر ذلك حفاظاً على هذا الاستقرار العالمي؛ ولكن في الجانب الآخر وعلى الكفة الأخرى من الميزان هو الإنسان، فبعد أن أمضى الناس في بيوتهم حجراً طويلاً متعاونين ومنفذين نجد أن هناك دعوات تنادي بخروجهم للعمل مع الاحتفاظ (بوضع الكمامة) وهنا سوف يقف الإنسان متأرجحاً لا يعلم أين سترسو رمانة ميزانه فإن طال الحجر واحتجب في بيته بكى أولئك المتحكمون في دائرة الاقتصاد وإن خرج من بيته فربما يصافح السيد كوفيد! وهنا هو لب التراجيديا الإنسانية: الإنسان مقابل الاقتصاد!

وإذا ما كان ذلك كذلك فلماذا لم نهتم بهذا الإنسان الذي اتضح أنه العمود الفقري لكل دول العالم الإنسان هو القائد وهو المنقذ بعد الله وهو من يرفع دولاً ويخفض أخرى؟

لم يأتِ كوفيد إلا في زمن منفلت من الاستهانة به وقتله وتشريده وتجويعه ونهبه وهو بطبيعة الحال خليقة الله وصنيعته وبدا لنا أن من لا يحب الله لم يحب صنيعته وهذا هو بيت القصيد، فقبل ظهور كوفيد بأيام معدودة رأيت مشهداً لن يغادر ذهني وهو حينما فتحت تركيا حدودها وطردت اللاجئين وهم هاربون من النار وضجيج المدافع لتستقبلهم الدول المجاورة بخراطيم المياه وقنابل الدخان ونشر الأسلاك الشائكة وهم شيوخ ونساء وأطفال وبعضهم مرضى؛ وهنا أدرك أن الإنسان أنه قد أصبح بضاعة رائجة يُتاجر به وتُطلب الأموال الجائرة لحمايته وحينما يقبض الثمن يطرد في العراء والثلوج تغطى كل مكان!.

أصبح الإنسان هو البضاعة وهو الثمن وعليه يقع الرهان في زمن تفشى فيه الجهل والمرض والبيروقراطية والتعسف الدولي قليل الحيلة والعاجز عن إسكان دوي المدافع في كل بلد وخاصة العربية منها على مدار ما يقرب من تسع سنوات.

كان أهلونا يقدرون صنيعة الله وخلقه، شديدي الحرص والخوف عليه مهما كان صنفه أو نوعه، فتربينا على ذلك.

كانت أمي رحمها الله حينما يتجمع النمل حول بيتنا تمنعني عن أذاه، وتأمرني بأن أجمع سبع نملات ثم أذهب بها إلى مكان بعيد فيه يتوفر لها الغذاء وأقسم لها أن هذا المكان لها أفضل. هذا مفهوم من التراث الشعبي تربينا عليه، فتعلمنا أن صنيعة الله يجب أن نقدرها حتى لو كانت نملة ما دامت لم تسبب لنا أذى.

ومن هنا اتضح لنا أن الدول التي لها عمق حضاري شرق آسيا أو جنوب غربها أو حتى بعض الدول الإفريقية ومنها مصر كيف أنها استطاعت الصمود بالمقارنة بتلك الدول التي انفرط عقدها أمام كوفيد، بالزعم من حجمها العالمي والذي روجت له آلاتهم الإعلامية وسوقت له حتى ترسخ بدواخلنا تلك النزعة (اليوتيبية) بأنها أرض الأحلام والتي كان عنواناً لفيلم الفنان الكبيرة فاتن حمامة رحمها والفنان الكبير يحيى الفخراني منذ عشرين عاماً والقضية تناقش لكننا لا نسمع ولا نرى.

أما فيما بعد كوفيد وحينما ينجلي بإذن الله عاجلاً أم آجلاً فسيتغير العالم لأن الإنسان نفسه سيتغير وسيعرف قدره، وأن العالم أيضاً سيعرف مقداره وسوف يعطيه حقه لأنه قد فقه أنه محور جيبه ودولته وتقدمه وتأخره، وفي هذا الوقت ستستقر كفتي الميزان المتأرجة بين المال والإنسان لأنه أصبح هو الأقوى. وقد شرفت عظيم الشرف عندما أعلنت المملكة العربية السعودية في بداية هذه الجائحة وقبل انتشارها بهذا الشكل في معظم الدول بشعار سوف يحمله العالم في الأزمنة الآتية وهو أن: (الإنسان أولاً).

نقلا عن الرياض

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة