.
.
.
.

إدمان الإعجاب

نايف الوعيل

نشر في: آخر تحديث:

يومًا بعد يوم، على مواقع التواصل الاجتماعي نشهد صعود نجم جديد، في ريعان الشباب، بكاميرا الهاتف وشبكة إنترنت جيدة، يستطيع خلال فترة وجيزة وعبر إنتاج محتوى رائج لدى الفئات الشابة، تحقيق شعبية جارفة وحصاد آلاف الإعجابات اليومية على ما يبث مع مقاطع فيديو أو نصوص أو صور، دون أن يتطور عمله اليومي عن محاولة اللحاق بركب "الترند" أو إرضاء آلاف المتابعين المتعطشين دائمًا لمزيد من الترفية ومزيد من الخفة والمحتويات الفكاهية، إذ إن مواقع التواصل الاجتماعي أصبحت باباً خلفياً لمحاولات التحقق السريع، يسلكه البعض أملًا في تحقيق الشهرة وجذب الانتباه، دون العناية بتقديم محتوى جاد ومؤثر، يبعث على رسائل إيجابية لجمهور المتلقين، إلا أن النجاح الحقيقي، والتأثير المجتمعي الفعال، لا يمكن بلوغه سوى عبر تقدير احتياجات الجمهور ودراسة المحتوى المقدم، الأمر الذي لا يهتم به أغلب المغامرين على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، ممن يتحولون تدريجيًا إلى إدمان الإعجاب الافتراضي، إدمان اهتمام المتابعين ومراقبة تضاعف الضغطات على زر الإعجاب.

يجب على أي مستخدم لمواقع التواصُل الاجتماعي، لا سيما من شبابنا، أن يراقب نفسه، حتى ولو بدا أنه في وئام مع حساباته الافتراضية، وراضٍ تمامًا عن حجم تواجُدها في حياته، فإحدى السلوكيات ذات الدلالة، أن يكون عداد الإعجابات بالنسبة للمستخدم أهم إليه مما سواه، فإذا وضع صورة مثلاً على تطبيق مشاركة الصور إنستجرام، أو قدح زناد فكره، وكتب تغريدة على موقع التدوينات القصيرة تويتر، ليجد أن الإثارة والتوتر قد بلغا به المدى، ويراجع حسابه بمعدل مرة كل خمس دقائق، ليحصد ما زرع بمشاركته: إعجابات وتعليقات وإعادة تغريد، الحركات الافتراضية جميعًا، والتي تلبي مُباشرةً حاجة الشخص في الشعور بأنه مرئي ومقدّر ومثار إعجاب وتقدير، وربما تسهم في تحفيز هرمونات بالدماغ تجعله في حالة من الانتشاء، وتجعله بمرور الوقت يدمنها، ويرغب في أن يستعيد الشعور ذاته مرّة بعد مرّة، مهما كلّفه ذاك من محاولات استمالة الأصدقاء والمتابعين واستجدائهم بالإعجاب.

في صورته الأولى، لا يبدو هذا النمط الإدماني خطيرًا تمامًا إذا ما قورن بإدمان المخدرات على سبيل المثال، لكنه في واقع الأمر قد يكون أشد خطورة، إذ لا تظهر جرائره ومخاطره إلا عندما تكون الإعجابات الافتراضية تلك شحيحة وتتفاقم حاجة المستخدم للتقدير الافتراضي، فتحيل حياته إلى جحيم، ويسقط في هوة عميقة، عندما يقارن حجم الإعجابات التي يحصل عليها، بنظيراتها لدى زميله أو صديقه، فيفقد أسهم ثقته في نفسه وينزلق إلى الاكتئاب.

علينا الإقرار أن استخدام مواقع التواصل الاجتماعي لبث محتويات تستهدف الجمهور العام يعتبر بشكل ما عملية إبداعية، خاصة عند الحديث عن المحتوى المصور، إلا أن تشكيل قاعدة جماهيرية مخلصة، وإحداث تأثير حقيقي في نفوس الأفراد يتطلب إعداد محتوى بشكل منظم، لائق يخاطب عقول المشاهدين، حتى ما إذا استخدم الفكاهة في ذلك السبيل، مع ضرورة إدراك صانع المحتوى في الوقت ذاته، الحدود الفاصلة بين حياته الخاصة وصورته الذهنية عن الذات وبين نجاحه أو إخفاقه في المجتمع الافتراضي.

* نقلا عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.