.
.
.
.

كورونا.. وجهٌ آخر..!

إبراهيم أحمد الوافي

نشر في: آخر تحديث:

عبر هذه العزلة الكونية.. والانشغال اليومي بإحصاءات هذه الكورونا وتداعياتها على كل مستويات النشاط البشري، علينا أن ننظر للوجه الآخر لهذا الحدث، لا من حيث القفز عليه حين يشكل وحده قلقا وجوديّا لم يمر به العالم، ولم يجرّبه التاريخ يومًا، بل بكونه حدثا فجائيا داهم غفلة الإنسان وغروره المعرفي، وتجلّت لنا من خلاله أنماطًا إجباريةً لمعيشتنا من حيث قدرتها على تحمّل مسؤولية وجودها والتعامل مع هذا الداء بمنأى عن سلوكياتها الفوضوية حينما نتداولها عبر أجهزتنا الذكية في نكوص غبي، ووجه آخر قبيح لجهلنا، على الرغم من أننا نحيا في بيوتنا آمنين منعّمين بهذه الحزمة الأمنية المكثفة والمُغْنِية التي تقدمها الدولة بما فيها حمايتنا حتى من جهلنا واستهتارنا، حيث لاحقت المستهترين والمتمرّدين على الحالة العامة لعالم اليوم، وبالتالي واكبها تفاعل اجتماعي نوعي مشيدا بهذه الملاحقة ومناشدا بالصرامة معها، مما يكشف لنا حالة من الانضباط العام يتجه إليها المجتمع، وتومئ بها هذه المحنة الكونية، إذ بإمكانها أن تشكل إحدى ملامح المجتمع ما بعد كورونا.. ولأنني في هذا السياق أستشرف الغد منحازا دائما للفن بأوجهه المختلفة وقدراته على جمع التاريخ في سلة حياة، أو حتى جمع الحياة في سلة تاريخ لا فرق، فلقد تساءلت من بين جدران عزلتي ما الذي سيقوله الفن غدا عن هذه العزلة الكونية، عن هذا السجن المقلوب كما أحب أن أصفه، هل سيكتفي بالتفاصيل «البيتوتية» التي تتناقلها تطبيقات السوشل ميديا، أم سيعيد لنا أفلام الخيال العلمي بصورة مقلوبة بحيث يدعم سابقها بواقع اليوم، ماذا عن الكتابة هل ستطفو على السطح تلك الدراسات التي تتفرغ لأدب السجون مثلا حينما كانت إبداعا فرديا، بعد أن جرّب العالم سجن الكوكب له، هل ستنتج هذه العزلة إبداعا مختلفا يتكئ على الذات المحاصرة بما تجهل، والمرتبكة مما تعلم، هل سيشهد الفن تحوّلا في تداعياته ومعطياته وتركيبته النفسية بعد هذه العزلة العجيبة، هل ستتبدّى لنا رؤيا نهاية العالم بشكل مختلف، بعد أن لامسها واقع اليوم وأحداثه كما تشاء سوداوية الصورة الفنية في كثير من الأحيان .. كل هذه الأسئلة بمباشرتها ومواربتها معا لا تبحث عن إجابة بقدر ما تشكّل وجهًا آخر لكورونا، بالرغم من يقيننا من أن إجابات هذه الأسئلة مشروع حياة قد لا يجرؤ عليها غير الفن.. الفن الذي يجيد قراءة كورونا الحياة.. لا كورونا الموت..!

* نقلا عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.