.
.
.
.

الجائحة ما جنحت

شريفة الشملان

نشر في: آخر تحديث:

هبَّت الجائحة والعالم به الكثير من الجوائح المختلفة، لعل أكبرها الحروب التي تدل على أنواع البشر. أولها ناس تعيش على القتل والدمار...

والجائحة وضعت الضوء على أتعس ما في البشر العنصرية، فزادت بطريقة حقودة ومؤلمة، والكل يكاد يضرب في الكل.

فالكل صار ضد الكل يأكل البشر بعضهم بعضًا، إذا كانت معروفة لدى الصغار اشتدت لدى الكبار، فأمريكا تلوم الصين وتخيف ومن هم في ديارها من أصل صيني، أخشى ما يخشاه المتابعون أن يحدث للصينين ما حدث لليابانيين أيام الحرب العالمية في أمريكا حيث وُضعوا في معتقلات كبيرة خارج المدن.

أعداد الصينيين في أمريكا كبيرة جدًا ولهم مجتمعات مختلفة المهن والتطلعات، ولن يسكتوا على العنصرية ضدهم، لذا العالم كله سيكون محكًا لهذه العنصرية، تأثيرها لن يكون في مجال ضيق، فهي حتمًا تختلف عن العنصرية آنذاك ضد اليابانيين، كما ستختلف كليًا عن العنصرية ضد الأفارقة الذين تحولوا من عبيد لمشاركين في الدولة التي أنتاجها الزراعي بني على جهدهم. لكنهم في الصين أصبحوا محل خوف وكأنهم الخفافيش التي جلبت الجائحة.

في بلداننا لم تكن مشكلات العمالة خافية ولا تأثيرها على المجتمع والموارد والإنفاق، بما في ذلك الضغط على المرافق، بمعنى تأثير كبير على الاقتصاد ونموه، دورة رأس المال لا تتم في الداخل إنما تذهب للخارج، نعم هو حق هؤلاء الفقراء وعرقهم وتعبهم. ولكن يبقى ذلك في أقل ما يمكن مع التركيز على المواطن ومنحه مميزات جاذبة للعمل المهني.

ظهر من بيننا أناس -بكل أسف- ضعاف نفوس تم استغلال الوضع بجلب عمالة فائضة وتركها في الشوارع تتصرف بذاتها لكسب رزقها، ومن ثم إعطاء الكفيل مبلغًا وقدره شهرياً، دون مراعاة للوطن ولا لكثافة هذه العمالة في السكن، ولا حتى الحلال والحرام.

الوفرة المالية من جهة واتكالنا على السهل بدلاً من التعلم وخاصة في المهن اليدوية، ونسينا مثلاً قديمًا ((صنعة في اليد أمان من الفقر))، هكذا فالمهن التي يكفي لها بضع آلاف صارت تجلب لها مئات الآلاف.

(د. علي فخرو) أول من ناقش هذا الطوفان البشري في تسعينات القرن الماضي، حيث احتل الهنود أماكن كبيرة وكثيرة في بلداننا، وأصبح استيطانًا يصعب التخلص منه، (الهند رفضت استقبال مواطنيها من الإمارات).

المرتع ما عاد صالحًا للكل لما جاءت الجائحة جنحت في الجميع، بالوقت ذاته كبرت فئة الذين سميوا (البدون) و(تارة عرب الصحراء) وأخرى لست أدري ما هي.

تبدو المقارنة غبية جدًا، بين استيراد أناس ذوي لغة وثقافة غريبة عنا، وبين الإخوة في الدين واللغة والثقافة والذين تربوا في البلدان الخليجية وصرفت الدول عليهم الكثير، ولعل دولة الكويت ذات التعداد السكاني الذي لم يتجاوز المليون، حالتها أكثر صعوبة، وهذا ما اضطر بعض أهلها للتلفظ بعبارات ربما اعتبرها البعض عنصرية.

فهؤلاء المساكين القادمون من دول فقيرة جداً وبثقافة قليلة جداً، بمساكن قد يدفع العامل الواحد القليل لكي يعيش فيها موفراً ما يستطيع للقمة صغاره وتعليمهم، فكانت بؤرًا للجائحة ناهيك أنهم يضطرون للخروج لكسب عيشهم، فينشرون العدوى. هذا ما كلف الدول الخليجية الكثير، وعليَّ أن أشير لوطننا الذي تكفل مشكوراً بالعلاج والرعاية وتغيير المساكن لعيشة أفضل وأكثر أماناً وصحة.

عندما نترك العمالة ونرتفع أكثر لذوي المهن التي تحتاجها الأوطان نجد أن موضوع (البدون) أصبح أمراً أكثر إلحاحاً في الاستفادة ممن يشاركوننا الثقافة نفسها واللغة والدين، صرفت الدول عليهم وعلمتهم، جاهزون للعمل، بحسبة بسيطة ثمار جاهزة للقطف.

الأزمات تنضج الأفكار ولكن الجائحة هذه كشفت الكثير من المسكوت عنه، وأزاحت أغطية كثيرة عن مسارب للاستنزاف المادي والإنساني..

أعود فأذكر بما يتم تداوله بشأن المساكين في بلداننا الذين يعيشون على هامش العيش وكأنهم سبب الجائحة وليسوا من بين ضحاياها. المرض لا يعرف دينًا ولا دولة أو حدودًا أو لونًا.. ليس للعنصرية أو الطائفية أو المناطقية مكان أمام مواجهته، كلنا مسؤول أمام الله أولاً وأمام وطن نحافظ عليه، والسلامة أولاً لتعود الحياة أفضل مما كانت وينتعش الاقتصاد بطرق جديدة وغير تقليدية، ولكم أجمل أمنياتي.

* نقلا عن "الجزيرة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.