.
.
.
.

دروس من وباء كورونا

عبدالله السعدون

نشر في: آخر تحديث:

وباء كورونا جاء رحمة من الله ليذكر العالم أن الصحة هي أغلى ما يملك الإنسان، وأنه من أجلها تخلى عن كل أنشطته الاجتماعية والاقتصادية والترفيه، وليقول لنا: عليكم مراجعة الأولويات مع التركيز على الوقاية، وقديماً قيل: "درهم وقاية خير من قنطار علاج"..

رغم أننا نعرفه جيداً ونردد أهميته صباح مساء إلا أننا نتجاهله أمام مغريات البحث عن التخصصات الدقيقة وبناء المستشفيات المتخصصة، ذلك هو: "الرعاية الصحية الأولية" ويطلق عليه أيضاً "طب الأسرة" و"طب العائلة" و"الطب العام"

في كتاب "الرعاية الصحية، قضايا.... وحلول" للزميل الدكتور عدنان البار -رحمه الله-، بالاشتراك مع الدكتور حسان باشا والدكتور محمد علي البار، تم وضع فصل كامل للرعاية الصحية الأولية، حيث ذكروا أن بداية الاهتمام بها بدأ في عام 1978 في "ألماآتا" في كازخستان، حيث اجتمع مندوبون من 134 دولة و17 منظمة دولية أخرى ليقرروا أن الرعاية الصحية الأولية هي حجر الأساس للوصول إلى هدف الصحة للجميع الذي يرغب المجتمعون الوصول إليه في عام (2000)، وقد مرّ على هذا العام عشرون عاماً أخرى من دون أن تتحقق الأهداف التي وضعت في ذلك المؤتمر.

لقد اتضح من التعامل مع وباء كورونا أن الدول التي نجحت في التعامل مع الوباء وتحجيم خطره هي الدول التي بادرت إلى القيام بإجراءات الوقاية مستخدمة كل الوسائل الممكنة في الدولة، أما تلك الدول التي تأخرت في التعامل معه فقد شهدت أكبر عدد من الإصابات والوفيات.

وقريباً جداً ستنجلي الغمة وتعود الحياة إلى طبيعتها ومعها ستعود كثير من الممارسات الخاطئة والتي تسبب في الوفيات أضعاف ما سببته جائحة كورونا، ومعها ستعود غرف الطوارئ في المستشفيات لتستقبل حوادث الطرق مع ما تعنيه من وفيات وإعاقات وإصابات مختلفة، وستفتح المستشفيات عياداتها المتخصصة في عمليات تكميم المعدة وربطها. كما ستعود الطرق والأحياء في المدن إلى سابق عهدها تمتلئ بالضجيج والتلوث بكل أنواعه. كل ذلك يقودنا إلى أن نعي كم أعطانا وباء الكورونا من دروس يجب أن نستوعبها ونسعى إلى تطبيقها ومن أهم تلك الدروس ما يأتي:

أولاً: النظام المثالي للرعاية الصحية هو الذي يركز على توعية المجتمع وإصلاح البيئة، بدل التركيز على مستقبل العلاج وتكاليفه الباهظة رغم أهميته من دون شكّ، ويكفي أن نعلم أن السلوك الإنساني الخاطئ يسبب ما يزيد على 75 % من جملة السرطانات المميتة والتي من أهم أسبابها الغذاء المشبع بالدهون والتدخين والمسكرات والمخدرات، وعدم ممارسة الرياضة، وكما هو مذكور في الكتاب الذي سبق ذكره في المقدمة.

الرعاية الصحية الأولية ليست مهمة وزارة الصحة فقط، لكنها مشتركة بين وزارات كثيرة منها التعليم والبلديات والإعلام والرياضة والتجارة وهيئة الغذاء والدواء. وهو ما يعني أن نخرج بعد الأزمة ببرنامج شامل للرعاية الصحية الأولية على مستوى الدولة تكون فيه المملكة من أوائل الدول المتقدمة في مجال الرعاية الصحية، برنامج يطبق في المدارس والبيوت ويعلن عنه في وسائل الإعلام المختلفة المساجد والمدارس، برنامج يجعلنا نهرب من الترتيب المتقدم على مستوى العالم في مجال السمنة وأمراض السكري.

ثانياً: عاشت المدن الكبيرة في المملكة ليالٍ خالية من التلوث بشتى أنواعه ومن الحوادث المميتة، والفضل بعد الله يعود إلى حزم الدولة في تطبيق منع التجول، وهذا لا يعني أن يستمر الحظر، ولكن أن يعزز دور المرور بالمزيد من الأفراد والمعدات والتقنية المتقدمة لضبط حركة المرور، ومنع كل ما يؤثّر على جودة الحياة أو يسبب الحوادث المميتة، فالمرور من الأجهزة المهمة التي سيوفر دعمها، وربما دمج وحدات أخرى معها حفظ الأرواح وتقليل نسب الإعاقة، وتقليل استيراد السيارات، وقطع الغيار التي من أسبابها الحوادث، ومن وسائل تقليل عدد المركبات في الطرق إيجاد المزيد من قنوات الترفيه للشباب، وخاصة توفير الملاعب وتفعيل أندية الحي وإنشاء الحدائق الكبيرة، ومسارات المشي المهيئة لمختلف الأحوال الجوية.

وباء كورونا جاء رحمة من الله ليذكر العالم أن الصحة هي أغلى ما يملك الإنسان، وأنه من أجلها تخلى عن كل أنشطته الاجتماعية والاقتصادية والترفيه، وليقول لنا: عليكم مراجعة الأولويات مع التركيز على الوقاية، وقديماً قيل: "درهم وقاية خير من قنطار علاج".

* نقلا عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.