.
.
.
.

"كورونا" وصياغة منهج ملموس في الالتزام السياسي الدولي

علي الخشيبان

نشر في: آخر تحديث:

كل المجتمعات في هذه الأزمة تكرس نفسها من أجل العمل على إزالة المسببات التي يمكنها أن تفاقم وجود كورونا في محيطها الجغرافي، وعلى الجانب الآخر تميل ديناميات الاقتصاد الدولي إلى العمل على تجاوز العقبات الكبرى التي تعترض طريقها منذ بزوغ فجر كورونا بداية هذا العام، خاصة أن هذا الوباء أحدث كثيرًا من التحولات غير المرغوبة في بنية الاقتصاد الدولي، خاصة أن سلسلة التغيير التي حدثت في بنية الاقتصاد العالمي أصبح من السهل رؤيتها تسير في الاتجاه السلبي مع اقترانها الدائم بخسارة الفرص بشكل متواتر.

كورونا بطبيعته الفكرية وليس الصحية هو تعبير قوي عن الشعور بالحاجة إلى المراجعة والنقد الذاتي وتصحيح الأخطاء على جميع المستويات المحلية والدولية، فكما يبدو هناك حاجة ملحة للتغير في كثير من المفاهيم السياسية والاقتصادية والمجتمعية لتنطلق نحو مسار مستجد فرضه وباء كورونا على العالم، فقد غيَّر هذا الوباء خريطة الاهتمام والتفكير العالمي وعلى جميع المستويات، ومع ذلك ما زال السؤال مربكًا أمام أولئك الذين يعتقدون بتغير العالم بعد كورونا، ولكنهم لم يصلوا إلى المؤشرات الفعلية التي قد تثبت هذه النظرية أو تنفيها.

من الملاحظ على جميع المستويات السياسية والفكرية أن ما ينتظر المهتمين بقراءة التحولات التي سوف يحدثها كورونا على العالم على أنهم فئة تبالغ وبشكل كبير في توقع النتائج، خاصة في العالم الغربي وبعض دول آسيا الكبرى، وكذلك يحدث الأمر ذاته في عالمنا الخليجي، الذي أصبح فعليًا يشكل الكتلة الأهم في منطقتنا الشرق أوسطية، فالكتلة الخليجية أصبحت وبلا منازع الممثل الوحيد لدول الشرق الأوسط الآسيوية، وسيكون لهذه المنطقة دور مختلف وفاعل في تحقيق تحولات ما بعد كورونا سياسيًا واقتصاديًا.

ولعل السؤال الذي يطرح نفسه الآن يرتبط بصياغة منهج ملموس لبناء منهجية التزام سياسي دولي في مواجهة كورونا.. وللإجابة المحتملة هنا، لا بد من القول إنه لا يجوز لدول العالم ومنها كتلتنا الخليجية أن تترك لوباء كورونا الفرصة لمحاصرة السياسة الدولية والتضييق عليها تحت مسار يمكنه استنزاف الاقتصادات العالمية بطريقة مؤلمة، فما كان صالحًا لمحاربة الوباء في بدايته قبل أشهر قد لا يكون صالحًا اليوم، والسبب في ذلك أن المعرفة التي توافرت لدى العالم اليوم عن هذا الوباء تضاعفت عشرات المرات عنها قبل أشهر، وهذا ما يستوجب إعادة طريقة التفكير أمام هذا الوباء الذي يتم فهمه بيولوجيًا بشكل متسارع.

لا يمكن لدول العالم أن تترك اقتصاداتها تتجه نحو الانحسار الإنتاجي لتسمح لاقتصادها أن يسير في تناسب عكسي مع هذا الوباء، بمعنى دقيق فإن كمية المعرفة التي تتوافر يوميًا عن هذا المرض تحتم على العالم ألا يسمح بمزيد من الانكماش الاقتصادي في مقابل تنامي المرض على المستوى العالمي، الالتزام السياسي الدولي مطلوب منه أن يخلق مقاربة نظرية تعتمد على إعادة تشغيل العجلة الاقتصادية على شكل خط متوازٍ مع هذا الوباء، واستثمار المعرفة المتجددة عن هذا الوباء وطبيعته؛ للحد من انتشاره لحين اكتشاف علاج أو لقاح يمكنه إيقافه.

الصورة التي يحملها الوضع الدولي حول هذا الوباء متفاوتة، وقد تكون وخيمة على العالم في مساره الاقتصادي بشكل دقيق، أو هي فعلاً وخيمة، خاصة إذا ما استمرت مساهمة هذه الأزمة في تغيير مباشر لفرص العمل والإنتاج على المستويات الإقليمية والدولية. وهنا يمكن القول إن صياغة منهج دولي ملموس حول أزمة كورونا أصبحت اليوم تواجه بخطاب متشدد في الكيفية التي يتم التعامل بها مع هذا الوباء، وهذا قد يؤدي إلى الإحباط الاقتصادي، والذهاب إلى مواقع اقتصادية يصعب العودة منها، وهذا ما يجب أن يتجنبه العالم، كما لا يجب أن يتم ذلك على حساب البشرية.

المراهنة الدولية والإقليمية حول هذا الوباء لا بد أن تقف بين منطقتين: استثمار الفرص أو تفويتها، وفيما يبدو أن العالم بكل مكوناته الدولية أمام تحدّ كبير لصياغة التزام سياسي يسهم في الخروج من هذه الأزمة، ولكن هذ التحدي قد يتلاشى إذا ما فكرت الدول وبشكل دقيق في استثمار تلك المعرفة البيولوجية المتجددة بشكل شبه يومي عن هذا الوباء لتسير في الاتجاه الدقيق لمحاربة هذ الوباء؛ لأن التشدد أمام هذه الجائحة والاستسلام لها سياسيًا واقتصاديًا سيذهب بالعالم إلى منحدرات لعل من أهمها المنحدر الاقتصادي؛ حيث يصبح من الصعب على الدول العودة منها خلال سنوات قليلة مقبلة.

نقلا عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.