.
.
.
.

التعليم أولاً وأخيراً

يوسف القبلان

نشر في: آخر تحديث:

دون الشيخ محمد بن إبراهيم الخضير سيرته الذاتية والمهنية في كتاب بعنوان (رحلة بين قرنين). تكللت هذه الرحلة بإنشاء مدارس رائدة في مجال التعليم الأهلي هي مدارس التربية النموذجية.

كتبت عن هذا الكتاب في (الرياض) مقالاً لم يتسع لكل ما يستحقه هذا الكتاب الذي أرشحه وكتب مماثلة كمواد إثرائية إضافية تصلح للطرح والدراسة والمناقشة بين الطلاب في معاهد وكليات الإدارة.

أعود – كما وعدت - لهذا الكتاب لمواصلة المتعة مع رحلة من أجل العلم والعمل في ظل ظروف صعبة عاشها المؤلف كانت بمثابة اختبار للإرادة والتمسك بالأمل والقدرة على الصبر.

تتضمن السيرة الذاتية لمؤلف الكتاب تجارب عديدة تنقل فيها من مدينة لأخرى ومن عمل لآخر أكسبته بالتأكيد معارف ومهارات كانت فيما بعد سنداً له في مشروع التعليم الذي كان كما يصفه همه وهمته. من بين تلك التجارب تجربة عمله في أرامكو. خلال عمله في أرامكو التحق بمدرسة ليلية أنشأتها أرامكو لتعليم الموظفين وإكساب العمال السعوديين المهارات التي تعدهم للعمل في الشركة. كان هذا الطالب الشاب يذهب الى هذه المدرسة بعد راحة ساعة واحدة فقط بعد نهاية الدوام. اكتشف الطالب بالصدفة أن المدرسة الليلية التي يدرس فيها مساء تعمل في الصباح ويدرس فيها طلاب في نفس عمره بينما كان يدرس في المساء مع طلاب كبار في السن، لاحظ أن الدراسة الصباحية أوضاعها أفضل فقرر أن تكون دراسته في الصباح، ولكن هذا يتطلب موافقة مديره في العمل، قدم الطالب طلب الدراسة في الصباح لمديره لكن المدير رفض الطلب بحجة أنه يحتاجه في العمل ولا يوجد له بديل. لم يستسلم الطالب وجاءت فرصة أخرى لكي يلتحق بالمدرسة الصباحية حيث تقرر عودة مديره إلى مقر الشركة في أمريكا، استثمر الطالب هذه الفرصة ليحصل على موافقته قبل المغادرة وتعيين مدير جديد، وحصل على الموافقة التي تدل على حرصه على تعليم جيد. اللافت أنه من أجل الدراسة في الصباح لم يكن لديه مانع من تخفيض راتبه البالغ حوالي 4 ريالات ونصف ريال.

تحول المؤلف في مرحلة لاحقة إلى معلم يدرس زملاءه من العمال السعوديين القراءة والكتابة باللغة العربية وحول غرفته في المساء إلى فصل دراسي لهذا الغرض.

انتقل إلى الخرج ليعمل مترجماً في المشروع الزراعي الذي تديره أراموا بعد طلب من مدير المشروع الأمريكي. لم يكن موافقا في البداية على هذا الطلب لكن المدير أقنعه أن يعمل هناك على سبيل التجربة ويأخذ إجازة لمده شهر لهذا الغرض. ذهب إلى هناك ولاحظ أثناء الجولة على المشروع مع المدير وجود عدد كبير من الأطفال يلعبون في الطرق والمزارع في الفترة الصباحية مما دفعه لسؤال المدير، لماذا لا يذهب هؤلاء الى المدرسة.؟ يتضح له عدم وجود مدرسة قريبة ولا توجد وسائل نقل، اقترح على المدير أن تقوم الشركة بافتتاح مدرسة في إطار مسؤوليتها الاجتماعية، راقت الفكرة للمدير وطلب منه أن يشرف على إدارتها ويتحمل مسؤوليتها، رحب بهذه المسؤولية المتوافقة مع طموحه وشغفه بالتعليم، وعمل على إنشاء هذه المدرسة، واستقال من عمله في أرامكو ليتفرغ لإدارة المدرسة. لم يكتف بذلك بل أسس مدرسة ليلية استجابة لرغبة شباب من العسكريين.

مرحلة جديدة في حياة المؤلف هي العمل في القطاع الحكومي في الرياض في عدة جهات، لكن التعليم كان هاجسه الأول ولهذا قرر العودة إلى هذا المسار واستقال من العمل الحكومي والبحث عن مشروع تجاري يساعد على استمرار مدارس التربية النموذجية وتمويل عجزها المالي، ووجد ضالته في قطاع المقاولات حيث تعلم الجدية والحزم.

وهكذا تستمر رحلة حافلة بالجدية في العمل والمرونة في التغيير بحثاً عن الأفضل، والشغف بقضية التعليم تحت شعار التعليم أولاً وأخيراً. رحلة التعليم تطورت حتى وصلت مدارس التربية النموذجية إلى أول شركة مساهمة في مجال التعليم.

ولا يفوتنا في ختام رحلة العلم والعمل من الإشارة إلى أن بطل هذه الرحلة لم يغفل نشاط خدمة المجتمع والعمل الخيري ولهذا أسس وقف محمد الخضير، وفي هذا تفاصيل من الأفضل الرجوع إليها في كتاب يستحق القراءة لما فيه من متعة وفائدة ومواقف وذكريات طريفة وأخرى تستحق التأمل.

* نقلا عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.