.
.
.
.

النهاري.. نقاءٌ رحل

حمود أبو طالب

نشر في: آخر تحديث:

ما زال ذلك اليوم مطبوعاً في ذاكرتي، تلك الظهيرة التي رأيت فيها للمرة الأولى عبدالعزيز النهاري، كنت برفقة أخي الكبير الأستاذ علوي الصافي في زيارة سريعة لجدة، وعرج علينا في الفندق الدكتور هاشم عبده هاشم لاصطحابنا إلى منزله للغداء، وكان معه ذلك الشخص الأنيق الوديع البشوش، وكان وقتها رئيس تحرير صحيفة البلاد، وخلال أحاديثنا في منزل هاشم اكتشفت أني قد كسبت بسرعة وسهولة صديقاً جديداً مدهشاً ومريحاً في فلسفته للصداقة والعلاقات الإنسانية، ومنذ ذلك اليوم في نهاية الثمانينات حتى وفاته استمرت تلك الصداقة تتعمق وتزدهر، ورغم مشاغل الحياة وقلة اللقاءات فإنه لا يعاتب وإنما يقابلك أو يهاتفك بكل نقاء روحه، معتذراً قبل أن تعتذر.

كان الصديق الدكتور عبدالعزيز الذي غادرنا قبل أمس مريحاً في علاقاته لأنه مريح لنفسه، متصالح معها، لا يثقلها بأعباء وتأزمات لا ضرورة لها، ولا يقحمها في صراع محموم مرهق يفقدها سكينتها، نعم كان طموحاً بما تؤهله قدراته وإمكاناته وكفاءته وكلها متميزة، ولكن وفق معايير أخلاقية لا تربكه أو تكلفه الدخول في دائرة الصدام العبثي من أجل موقع. كان يُسعى إليه أكثر مما هو يزاحم، وكان يُطلب أكثر مما هو يطلب. وهكذا مضى خلال مسيرته الطويلة أكاديمياً وصحافياً ورئيس تحرير ومستشاراً إعلامياً وكاتباً وباحثاً، زاهداً في بريق الأضواء، غير عابئ بالضجيج من حوله.

لا أعتقد أن أحداً في كل المواقع التي عمل فيها عبدالعزيز لم يحمل انطباعاً إيجابياً عنه، أو يذكره بشيء غير نقاء النفس وحسن الطوية وصفاء السريرة، والحرص على إشاعة روح الإخاء والود بين الجميع، أما إذا كنت صديقاً قريباً منه فستشعر أنه قادم من زمن آخر غير هذا الزمن العجيب في علاقات أصحابه.

داهمه المرض في الفترة الأخيرة لكنه لم يسلب منه حضوره الجميل في الحياة، كان يعرف أن أيامه أصبحت تتناقص بسرعة لكنه استمر مشرق الابتسامة، خاطف النكتة وقادراً على أن ينقلك إلى طقوس حالته الإنسانية الفريدة. وعندما يغادرنا إلى دار البقاء فإنه باقٍ في نفوس أصدقائه الكثر الذين لم يعد لهم غير الدعاء له بالرحمة، فليرحمك الله يا أبا محمد. كم سنفتقدك.

* نقلا عن "عكاظ"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.