.
.
.
.

الطفلة التي تحب السكر والقصص

فضيلة الفاروق

نشر في: آخر تحديث:

تركض الطفلة في يوم غائم شديد البرد نحو وسط البلدة، تقطع مسافة لا بأس بها قبل أن تبلغ محل الأحذية الذي يملكه جدها، هناك يستقبلها وجهه المضيء، وابتسامته التي لا تنسى، يضع بعض القطع النقدية في يدها، فتركض قاطعة الجسر الصغير الذي تعانقه أشجار الصفصاف وفي أسفله نهر تعيش فيه كائنات خرافية.

تتوقف عند بائع "الزلابية" تشتري قطعة وتلتهمها بنهم، فيما متعة مذاق السكر تخدّر حواسها باللذة، فتواصل هرولتها نزولاً حتى تبلغ مكتبة البلدية.

الرّجل الذي يجلس خلف المكتب في تلك المكتبة السّاحرة، لا تتذكر ملامحه ولا اسمه، فقط يده الضخمة، وهو يسجل بخط فرنسي جميل اسمها واسم الكتاب الذي استعارته. يغمس الريشة في محبرة أمامه ويخط الأحرف كما لو أنه يرسم لوحة بديعة. تتذكّر لون الحبر البنفسجي جيداً.

ليس ثمة ما يزعج أمين المكتبة غير أصابع الطفلة وهي تتلاصق بعسل الزلابية، ومع هذا سيبتسم لأنها ستضع الكتاب في حقيبتها الصوفية الملونة، وهي تمسكه بكُمِّ معطفها حرصاً منها لئلاّ تلوثه.

تنطلق راكضة نحو بيتهم في أعلى الربوة في آخر البلدة، تصل وقد نال منها التعب، ولكن جلوسها أمام المدفأة في زاوية الغرفة، سينسيها ألم البرد الذي قضم أصابع يديها وقدميها، تقفز الهرة إلى حضنها، وتبدأ رحلة السفر اليومية إلى عوالم بعيدة اكتشفتها عبر سلسلة ليدي بيرد الساحرة، تلمس الصور الأنيقة الملونة بإعجاب كبير، وتعيش بكل جوارحها أحداث قصص حدثت في أزمنة غابرة، في مدن بعيدة، وأشخاص لا يشبهون أولئك الذين تراهم كل يوم حيث تعيش.

تكتشف سلسلة المكتبة الخضراء بعدها، ثم سلسلة القصص العالمية، ثم دون أن تنتبه تجد نفسها على مرِّ السنين قد علقت في حب القصص، وقد يحدث أن لا تجد جديداً في المكتبة، يعدها أمينها بالجديد في أيام قادمة، ولن يملأ فراغات الليالي الخالية من القراءة غير جدّها الحكّاء بأقاصيصه، عن الثورة، وأبطالها، ومعاناة شعب بلادها حين كانت تحت نير الاستعمار.

تمتلئ بحكاياته، وهي بعد لم تدرك أن تلك كانت دروسها الأولى لتصبح كاتبة قصص، وأن حياتها ستمضي عكس كل أترابها في طريق مغايرة، ولن تشبههم في شيء سوى في الذكريات القديمة التي تطفو أمامها في لحظات حنين مجنونة كهذه.

الطفلة المبهورة بقصص ليدي بيرد الملونة ستتقن لعبة الاختباء في دهاليز ذاكرة صاحبتها، إلى أن يقفز كتاب قديم من تلك الكتب أمامها فتخرج الطفلة، ويخرج جعيدان، ورابونزل، والدجاجة الصغيرة الحمراء، واللفتة الكبيرة، والثعلب الأزرق، وتوما الصغير، تخرج راعية الإوز وملكة الثلج، والأميرة النائمة، وسام وشجرة الفاصوليا العملاقة، وكل الشخصيات العجيبة التي فتنتها إلى الأبد منذ أول زيارة لها للمكتبة ذات يوم شتوي أوائل السبعينات، إلى لحظة كتابة هذا المقال.

* نقلا عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.