.
.
.
.

الفكر الإخواني.. بين التوفيقية النفعية وشرعنة العنف

عبدالله الحسني

نشر في: آخر تحديث:

ليست فضيلة أراد لها اللهُ نشراً وذيوعاً فأتاح لها لسان حسودٍ كما قال الشاعر العربي القديم؛ وإنما رذيلة بل رذائل وخيانات؛ وسلسلة بغيضة من التآمرات وحبائل من التدبير تم نصبها من قبل الإخوان المسلمين للإيقاع والإيذاء للمسلمين ولأمّتهم العربية. مجمل ذلك لمسناه واقعاً مخزياً للتآمر البغيض ضد دول الخليج والعرب عموماً والمملكة العربية السعودية خصوصاً في التسريبات التي تم بثها مؤخراً وضح من خلالها استهداف علني وصريح لتفتيت الدول وتدميرها بعد بث الفرقة والفوضى فيها- بحسب طموحهم- وكان بطلها الرئيس الليبي الهالك معمر القذافي والخونة من عناصر إخونجية حقيرة باعت أوطانها بثمنٍ بخسٍ دراهم مسمومة ومغموسة في الذل والهوان وجحيم الخيانة والتآمر.

التسريبات كانت مفاجئة للكثير وذات طابع دراماتيكي مثير سيما وأنّه بدا غريباً فيه هذا التصاهر والتعاضد النفعي البراغماتي بين القذافي والخونة الذين بدوا عبر التسجيلات غاية في السذاجة والامتثال والتبعية وانعدام الكرامة الشخصية التي مسخت شخصياتهم وظهروا لنا مجرّد دُمى وأدوات رخيصة في يد القذّافي يُشكّلها كيفما يشاء؛ وارتضوا هواناً أن يقبلوا أن تكون دولهم وأوطانهم ملعباً وساحة لحروب بالوكالة كما وصفها به وزير الإعلام الأسبق سامي النصف الذي علّل هذا الارتماء لبعض الإخونجية بأن المقابل الوحيد للذهاب إلى القذافي هو أن تكون بلادك ملعباً للحروب.

البعض قد يتملّكه العجب وتنتابه حالة من الدّهش والاستغراب أن يرى هذا التناغم والتماهي والذوبان الكامل للإخونجية مع أي تآمر معْ الأعداء – وإن بدت المنطلقات والأيديولوجيات متناقضة. ولكن هذا الاستغراب سيزول حين نقرأ سيكيولوجية الفكر الإخواني ونسبر خلفياته المعرفية والفكرية مستصحبين معنا المواقف والأحداث التي رافقت مسلكياته ومنهجه عبر التاريخ منذ إنشاء هذه الجماعة في العام 1924م من قبل حسن البنا وهي الجماعة التي تعود أساساً فكرتها إلى حركة الإصلاح الإسلامي التي تبلورت في الربع الأخير من القرن التاسع عشر وواصل سيرها محمد رشيد رضا تلميذ الإمام محمد عبده. فهذه الجماعة – كما شخّصها وسبر فكرها الباحث محمد جمال باروت في إحدى دراساته- تأسست في رحاب فكرة بلورها محمد رشيد رضا حول "حزب الإصلاح الإسلامي المعتدل" وأخذ تطوّرها الفكري في إطار هذه الفكرة يتّسم بالتسارع والتحوّل من الطرح الساذج لاستعادة الخلافة إلى بلورة مفهوم الدولة الإسلامية. وفي النصف الثاني من الثلاثينات، وصولاً إلى أواخرها، كان مؤسس الجمعية حسن البنا قد بلور الإطار الفكري للجماعة في كتابه "مذكّرات الدعوة والداعية كـ"جماعة مسلمة" تمثّل – حسب تصوّره- نواة بناء المجتمع المسلم كنقطة انطلاق لبناء الدولة المسلمة، وتوحيد العالم الإسلامي، واستعادة وحدته حول خليفة يُنصّبه "أهل الحل والعقد" فيه. ويذهب باروت إلى أنه في عملية الانتقال هذه، بلور حسن البنا مفهومه للإسلام كـ"دين ودولة، ومصحف وسيف" لينفي أي إمكانية للفصل بين السياسة والإسلام. ويواصل باروت تفكيك هذا الفكر مشيراً إلى أن حسن البنا قد انطلق في عملية البلورة الرمزية- الفكرية هذه من "مفهوم الإسلام الجامع" الذي يتّسم بقدرته على استيعاب الأفكار الإسلامية التاريخية والتطورية في إطار إسلامي، فكانت الجماعة لديه تعني فضاء يتسع لاستيعاب كل من هو مؤمن بالفكرة الإسلامية، ويمضي باروت في تشخيصه إلى أن يصل لإشارته إلى أن حسن البنا ذهب إلى حد القول إن ما يريده "البلاشفة" يجدونه في العدالة الاجتماعية الإسلامية. وبذلك صاغ الإطار العام للفكر الإخواني بشكل مرن وتوفيقي مفتوح، بهدف تكريس الهيمنة الفكرية للفكرة الإسلامية على المجال السياسي- الاجتماعي العام؛ وهو ما أسبغ هذه التوفيقية العامة على الفكر الإخواني التاريخي على امتداد مراحله.

نخلص من هذا أن الفكر الإخواني المتغلغل- للأسف في دولنا- هو انعكاس لتلك التوفيقية الفكرية المفتوحة على جميع الاحتمالات والمتكيّفة مع جميع الأيديولوجيات وإن تضاربت أو تضادّت مع منهجها طالما أنها تحقق أهدافها؛ وهذا ما لم نضع كدول وقيادات ومراكز بحوث وغيرها في حسبانا مما ساهم في تغلغل وتغوّل هذا الفكر البغيض الذي يكاد يعصف باستقرار أوطاننا ومقدراتنا. ولا عجب إن رأينا هذا التوافق والالتقاء والتزاوج القبيح بين الإخوان وأعدائنا في كل مكان؛ فالنفعية والمصلحة هما أساس العلائق والتكتلات والاحتشاد ولا يهم أي مآل أو أثر؛ فمنطق الإخوان: أنا ومن بعدي الطوفان. ومن يتأمّل في المآلات المحزنة في بعض دولنا من اقتتال وإشاعة فوضى وتدمير وتهجير يجد أن الفكر الإخواني هو الوقود المُشعِل لأي فوضى وفتنة وتقتيل دون وازع من دين أو إنسانية أو ضمير؛ يؤكد ذلك التبريرات الواهية التي يتشبّث بها دعاة الفتنة ورموز وقيادة هذا الفكر الضال الذين يبررون العنف ويسوّغونه تحت مبررات واهية تعكس جشعهم وموات ضمائرهم وانسلاخهم من أي قيمة أو خلق أو دين.

* نقلا عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة