.
.
.
.

الميزة النسبية للمملكة

عبدالله السعدون

نشر في: آخر تحديث:

في عام 1805، أعلن الاقتصادي البريطاني «ديفيد ريكاردو» مبدأ يعد من أهم مبادئ الاقتصاد، وهو قانون الميزة النسبية. وهو أن الدولة لن تستطيع أن تنافس العالم في كل شيء، بل الأفضل أن تبحث عن شيء تملك فيه ميزة ثم تضع كل ثقلها العلمي والاقتصادي فيه لتصبح الأولى في امتلاك أسراره وأبحاثه وحسن أدائه، وعلى سبيل المثال حين تذكر الساعات الثمينة تذكر سويسرا، وحين تذكر المعدات الثقيلة والسيارات تذكر ألمانيا وهكذا مع الهند حين تذكر البرمجيات، ومثلها فرنسا في الثقافة وأسبانيا في السياحة، وهو لا يعني أن يقتصر نشاط الدولة على شيء واحد، لكن نجاحها الحقيقي هو في التركيز على مصدر قوتها، سواء كان بسبب مصادر طبيعية أو بشرية أو تقنية، يقول العالم البريطاني جيمس الآن: «النجاح هو عملية تحويل قوى المرء المتفرقة إلى مصدر واحد قوي.

ويعد التركيز من أهم أسباب نجاح الأمم والأفراد، ومن أعظم أسرار النجاح في الحياة، ومن الأمثلة على ذلك تركيز الضوء باتجاه واحد نجد أنه يذهب بعيداً بعكس توجيهه في كل اتجاه، وهذا يتطلب تحديد الهدف بدقة واستثمار الوقت لإنجازه، مع التخلص من العادات المدمرة للنجاح كالهدر والفساد والتبذير وسوء الإدارة بالنسبة للأمم، والسهر والتعلق بالعادات المدمرة وتشتت الذهن بالنسبة للأفراد مما يحول بينهم وبين التركيز على المهمة وحسن إنجازها في الوقت المحدد.

وبالعودة إلى مبدأ المفكر الاقتصادي البريطاني «ديفيد ريكاردو» ومحاولة تطبيق هذا المبدأ على واقعنا اليوم نجد أن المملكة تمتاز بعنصر قوة لا يتوافر لغيرنا من الدول وهو وجود أقدس الأماكن في العالم بالنسبة للمسلمين وهما مكة المكرمة والمدينة المنورة، وهذه المقدسات يمكن أن تحيل المملكة إلى الدولة الأولى في العالم من حيث عدد الزوار والسائحين، وللمواصلين لرحلاتهم بعد التوقف في مطاري جدة والمدينة المنورة فيما يسمى «الترانزيت» للعمرة، والصلاة في مسجد الرسول عليه الصلاة والسلام قبل مواصلة الرحلة إلى محطاتهم النهائية.

شعيرة الحج والعمرة أمنية كل مسلم في العالم وقد حرصت المملكة في كل الأعوام الماضية على تأمينها لأكبر عدد من القادرين عليها، ووضعتها ضمن رؤيتها 2030 كأحد أهم أهدافها وبذلت الأموال الطائلة لبناء وتوسعة الحرمين وبقية المشاعر، وتأمين كل ما تحتاجه من خدمات وتسهيلات وأمن، وحتى نخرج بأكثر الفوائد من هذه الميزة العظيمة التي كرمنا الله بها أقترح أن نركز في الأعوام القادمة على النقاط الآتية:

أولاً. الاشتراط على من يرغب تقديم الخدمات في الحج أو العمرة أن تكون الجودة عالية جداً وأن تكون شعارهم، ابتداء من وسيلة نقلهم إلى المملكة والعودة منها لضمان رضا المسافرين وراحتهم واختيار أفضل وأنظف وسائل النقل الجوي والأرضي لهم، وأن نتأكد من نظافة المسكن والمأكل ودقة التنظيم داخل المشاعر وأثناء التنقل فيما بينها.

ثانياً: من المهم القضاء على الهدر الغذائي بمنع التوزيع المجاني للأغذية والمياه التي تتحول إلى أطنان من النفايات، وضرورة تنظيمها بحيث تستقبل الصدقات والمشاركات من قبل الجمعيات الخيرية وتتولى الأسر المحتاجة ترتيب وتنظيم التوزيع والبيع بأسعار مناسبة مقابل جهودها، فكل ما يعطى دون مقابل يساء استخدامه ويقود إلى الهدر والتبذير وتلويث المكان بالمخلفات، الحج والعمرة فرصة لتهذيب النفوس وتعلم العادات الجميلة من نظافة وحماية بيئة، وتوفير وتقدير النعم كما أنها وسيلة لإيجاد مصادر رزق للأسر المحتاجة ومكافحة الفقر.

ثالثاً. الحج والعمرة يمكن أن يقوم عليها صناعات يأخذها الحاج إلى بلده وقد كتب عليها «صنع في مكة أو المدينة» كما أن العمرة بفتراتها المفتوحة وسيلة لجذب المزيد من السائحين إلى بقية مناطق المملكة كالعلا والشواطئ الجميلة، والقرى التراثية، وجنوب المملكة حيث الأجواء الجميلة والمناظر الخلابة. المملكة غنية بتراثها وأماكنها السياحية والتاريخية وهي فرصة ليرى الحاج والمعتمر الجانب الآخر من المملكة وتقدمها، وطيبة شعبها ورقي تعاملهم مع الزائر من خارجها، من الجميل أن يدخل السائح بيوت المواطنين ويأكل من طعامهم ويستمع إلى فنونهم وقصص نجاحهم.

خدمة الحاج والمعتمر وبناء وصيانة وحماية الأماكن المقدسة شرف عظيم تفخر به قيادة المملكة، ورغم الجائحة إلا أن القيادة ضمنت إقامة الحج هذا العام، مع الأخذ بكل وسائل الحماية والوقاية، والقادم أفضل بإذن الله.

* نقلا عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.