.
.
.
.

خصوصية المقاهي.. كما تحدث عنها نجيب محفوظ

محمد الوعيل

نشر في: آخر تحديث:

مهما تحدثنا عن المقهى المصري فإنه يظل الأشهر والأمثل. وقبل جائحة (كورونا) كنت هناك في أرض الكنانة وأسعدني ما شهدته في المقاهي من لقاءات وأحاديث سمر.. ولعل القارئ العربي يشهد مثل هذه المظاهر في بغداد التي كانت بالفعل تعج بالكثير من المقاهي العامرة.. والسؤال هل ظاهرة المقاهي صحيحة أمام التطوير المجتمعي أم أنها ظاهرة يجب أن تختفي؟..

أحسب أن نجيب محفوظ كان على حق عندما دعا إلى الحفاظ على المقهى المصري.. باعتباره جزءاً من تراث مصر الاجتماعي.. وأن على هذه المقاهي كانت هناك منتديات وجلسات للأدباء.. والشعراء الكبار.. فحافظ إبراهيم - شاعر النيل - وعلي محمود طه وإبراهيم ناجي والمازني.. ونجيب محفوظ - ذاته - ومحمود السعدني.. ويوسف إدريس.. كلهم جلسوا على المقاهي، وكانت هناك مقاهٍ في القاهرة مشهورة بجلسات الأدباء والشعراء مثل (مقهى التوفيقية) (ومقهى الفيشاوي).. وعندما كان (المقهى) أحد المعالم التي سجلها الأدب المصري، ودارت فيها الكثير من المشاهد والمسامع.. واشتهر في الأفلام والتمثيليات (معلم المقهى) وصاحبها.. وكانت المقاهي في كل ذلك تمثل جانباً اجتماعياً مهماً حيث هي ملتقى الأصدقاء وعليها يتنافسون وأحياناً يوقعون الصفقات.. ثم كان المقهى في مصر الحل الأمثل (لخصوصية) البيوت؛ فبدلاً من أن يستقبل الرجل أصدقاءه في بيته فإنه يستقبلهم على المقهى.

ويذكر الأستاذ نجيب محفوظ في حديث إذاعي قديم جداً.. أن المقهى في مصر كان أيضاً مكاناً للتسلية والترفيه.. ففي المقاهي استمع مرتادوها إلى الأغاني (القديمة) على (البرامافون) أو ماكينة الغناء وهي قبل الإذاعة والردايو، وعندما انتشرت الإذاعة كان المقهى مصدر الغناء والطرب؛ وذلك بامتلاكه الراديو ثم التلفزيون.. وأخيراً أصبح لدى كثير من المقاهي - كما يقول نجيب - الفيديو.

ويشدد نجيب محفوظ على (المقاهي) خوفاً من اندثارها تحت معول الماديات والحضارة الحديثة.. وخوفاً أيضاً على ضياع وقت الفراغ الذي كان يقضيه بعض المصريين وخاصة في المساء على المقهى.. ذلك أن هذا الوقت لم يكن يضيع على المقهى وإنما يعتبر وقتاً للترفيه والراحة والسرور.

ويقول بحث طريف عن المقاهي في مصر إن عددها يزيد على أكثر من 50 ألف مقهى، ولكنها في الآونة الأخيرة لا تتزايد أعدادها بل تتجه نحو (الذبول)، وهذا ما دعا أديباً كبيراً مثل نجيب محفوظ أن يطالب بضرورة الحفاظ عليها باعتبارها ظاهرة اجتماعية صحية في مصر.. وأنه وإن كانت بعض البلاد العربية ليس فيها هذا الانتشار للمقاهي كما في مصر إلا أنها - في بعض البلاد العربية - أصبحت تمثل بعداً اجتماعياً حيث يلتقي الأصدقاء ويسمرون ويتسلون.. وهي من هذه الوجهة يجب النظر إليها على أنها أندية حرة لا تحتاج إلى بطاقة مواعيد ولهذا يحبها الكثيرون.. ولعل كثيراً من أدبائنا في المملكة لديهم الكثير من الحكايات عن المقاهي في مصر، حيث اطلعوا على كثير من أمورها فيما كتبه الأدباء المصريون عن المقاهي!! وليالي الأنس فيها.

ومهما تحدثنا عن المقهى المصري فإنه يظل الأشهر والأمثل. وقبل جائحة (كورونا) كنت هناك في أرض الكنانة وأسعدني ما شهدته في المقاهي من لقاءات وأحاديث سمر.. ولعل القارئ العربي يشهد مثل هذه المظاهر في بغداد التي كانت بالفعل تعج بالكثير من المقاهي العامرة.. والسؤال هل ظاهرة المقاهي صحيحة أمام التطوير المجتمعي أم أنها ظاهرة يجب أن تختفي؟ خاصة أنها - أي هذه المقاهي - خرجت أجيالاً بالذات في مصر وبغداد وربما سورية، بالتأكيد الذكريات عن المقاهي راسخة في الأذهان ويمكن أن تروى عنها قصص وحكايات، وهذا ما كان حديث ذات مساء بيني وبين الأديب الكبير الراحل يوسف إدريس - رحمة الله عليه - في أحد مقاهي لندن. توسعنا في هذا الموضوع وقال أتمنى أن تبقى هذه الظاهرة راسخة في أذهان كل الأجيال، وأن تتطور إلى ما هو أفضل، وأن تأخذها وزارات الثقافة والإعلام على عاتقها، وهذا هاجس يوسف - رحمه الله -، ورحم الله من ذُكر اسمه في المقال.

* نقلا عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.