.
.
.
.

طالب يرعى الغنم من الفصل

علي بن محمد الرباعي

نشر في: آخر تحديث:

أشعر في منتصف العقد الخامس أني لم أتعلم بما يكفي، وأنني بحاجة للمزيد من الدراسة والتعليم والتدريب. زمن تعليم جيلنا ومن سبقنا كان صعباً ولكنه كان ماتعاً. الظروف قاسية والمجتمع بكل مكوناته مجتمع إنتاج بإمكانات محدودة ومتشابهة وليس في أفراد العائلة عاطل.

استيقظنا على طفرة نفخت الجيوب وتبعتها صحوة فخخت القلوب وأعقبهما عصر تقني سلبنا أحسن ما فينا ومنحنا أسوأ ما عنده فتخلّت الأيادي عن مهماتها التي كانت تسبق بها طيور الصباح على المزرعة والوادي والمرعى فتقطف وتجني وتحصد وتحلب وترضّع، وما أن تشرق الشمس حتى تكون ممسكة بالمرسم وفاتحة الكتاب والدفتر في الحصة الأولى.

استعبدتنا الرقمية وعطّلت قدراتنا التقانة المستوردة حتى الذاكرة لم تعد تحفظ أسماء المعارف والأصدقاء والأماكن. والجناية الكبرى على أي مجتمع وعلى الفرد التي بها يموت جسده وقلبه وضميره وعقله تتمثل في تحوله لمستهلك معتمد على غيره، ليتفرغ للثرثرة واستحضار البطولات والأمجاد من عهد عاد.

بداية الدولة زهد بعض القرويين في التعليم خشية خسارة العمال المؤمّنين لقمة العيش. وكان بعضهم يرى أن القبول بذهاب الأبناء للمدرسة قبول بتراجع الإنتاج، وتحول الكف الخشنة إلى ناعمة. وكان بعض جيلي ومن سبقه يتمارض عن الذهاب للمدرسة بحكم الشقاء الذي يلحقهم، وأدركنا زمن (المُحضر)، وهو شخص مكلّف بإحضار الطلاب المتغيبين عن المدرسة من بيوتهم. كان يدخل المنزل وكأنه فرد من العائلة، فيضع يده على جبهة أحدنا وإن أحسّ سخونة قال «هيا معي نكتب لك تحويل ونأخذك للصحية». وإن اكتشف أن الطالب متهرب سحبه أو حمله على كتفه ولا يتوقف به إلا في غرفة المدير، لينال علقة ويلتحق بزملائه.

حدثني شيخي عبدالرزاق، متعه الله بالصحة، عن ظروف الدراسة في السبعينات الهجرية وحاجة والده ووالدته لخدمته في المزرعة والمرعى، فرفضا فكرة إلحاقه بالمدرسة، واكتفيا بذهابه في أوقات الفراغ إلى كتاتيب القرعاوي، وعزا (أبو مشعل) الفضل في دخوله المدرسة إلى صفعة طبعها أبوه على خده.

كانت جماعة القرية في وليمة كبرى، وطلبوا من الصغار تقديم فقرات مما تعلموه حتى يحين موعد العشاء، فتقدم أحد الأولاد بثقة وهو يحرك يده اليمنى مرددا (سل صفحة الأيام، تنبيك عن إقدامي، واسأل جميع الناسِ، عن شدتي وبأسي، العِلم قد سقاني، بسالة الشجعان. لا خوف يعتريني في الذود عن عريني، لبيك يا بلادي، يا نعمتي وزادي). فتعالى التصفيق ورد البعض يده في جيبه ليمد للمنشد ببعض القروش. وقف طفل ثان وألقى (بلاد العُرب أوطاني، من الشام لبغدان)، فارتفعت أصوات الثناء. وجاء الدور على عبدالرزاق الذي وقف وبدأ يسرد (ربي الله الذي رباني بنعمه). فصاح الشيبان «اقعد. اقعد كلنا نعرفها». فلم يتمالك أبوعبدالرزاق نفسه من الحرج والغضب، ووجه لفلذة كبده صفعة أفسدت عليه متعة الليلة وحرمته العشاء وعاد إلى البيت منكسراً.

لم تشرق الشمس حتى ركب صاحبنا حمار والده ولم يتوقف إلا عند مدير المدرسة في قرية مجاورة، وطلب منه أن يلحقه بالصف الأول، وأن يقف معه لأن أسرته تريد حرمانه من التعليم، فركب مدير المدرسة الحمارة وقال: «امش قدامي وأنا وراك». ولما وصلا لمنزل أبي عبدالرزاق سأله المدير بلهجة حادة: «ليش تحرم ولدك من التعليم؟»، فأجابه: «أحتاجه يحتطب ويسقي ويختلي للبقرة». فاتفقا على أن يدرس في الصباح وينجز مهماته بعد الظهر، فكان طالباً حتى الظهر وعاملاً حتى تغرب الشمس وأحيانا لما بعد الغروب.

كانت الصفعة الأبوية احتجاجاً على المكتسبات الباردة، والمخرجات العادية التي لم ترق للجنة التحكيم تلك الليلة، وبما أن عبدالرزاق انكشف أمام الجمهور القادر على التمييز بين التعليم النوعي والتقليدي قرر أن ينفرد بزمام أمره ويتحمل مسؤولية نفسه، ودفع ثمناً من صحته ونومه وراحته ليحقق مراكز متقدمة، ولم يفرّط في التفوق ولم يترك حِرفته.

أتذكر أن بعض الآباء كانوا يأتون لمدرستنا الابتدائية ويطلبون منا ونحن في الفصل أن ننتبه للغنم، فنتابعها ونخرج أحياناً لنردعها حتى لا تعتدي على أملاك الغير، ونفتح لها بزبوز مواضئ المدرسة لتشرب، وبعض الطلاب يخرج في الفسحة ليملأ قربة الماء لأمه ويوصلها للبيت ويعود للمدرسة سريعاً.

بالطبع تغيرت الأوضاع فجأة، وعوضاً عن انتهائنا من اليوم الدراسي والعودة للبحث عن وجبة متواضعة في بيوتنا ومتابعة العمل، صرنا نتغدى في مطعم السلام، ونتقهوى في مقهى أحمد بن سعيد، رحمه الله، وبدأنا نتملص من جمع الطماطم والخضار وتسويقها، وزهدنا في تشغيل المواطير، وأنفنا من رائحة الأغنام، ولم يعد أكل أمهاتنا يفتح شهيتنا، وكل ذلك ببركة الطفرة.

جاءت الصحوة غير المباركة وغيّرت مذاهبنا وأشكالنا ووظفت طاقاتنا ومهاراتنا في صعود الجبال والرمي بالبنادق والنوم في القبور وترديد أناشيد الفداء وقصائد الموت. ونحمد ربنا أن تعليمنا تحرر من أسر الأفكار الدخيلة التي اخترقتنا عمداً وسهواً، وغدا تعليماً وطنياً، إلا أن الإيمان بقيمة العلم والتعليم تحتاج إلى جدية بناء الشخصية والتأهيل لمهنة أو حرفة أو اختراع أو إبداع، فالشعوب في بلاد الله كافة تعتمد على نفسها والحياة تزداد تعقيداً والفرص لا تنال إلا بمفتاح العلم، وقديماً قالوا كلما افتتحنا مدرسة أغلقنا سجناً كون المدرسة تغرس القيم الأخلاقية وتؤصل التنوير الاجتماعي وتعزز الوعي القانوني.

في زمن التحولات التي نمر بها لا بد أن يتبوأ التعليم عند الأسرة والمجتمع مكانة مرموقة وأن يُحفظ من التطاول عليه أو الاستهانة به، لأننا بتعليمنا الراقي نرقى ونساند دولتنا في نهضتها ونسهم بالشباب في التنمية التي أتاحت الحكومة لأبنائها أن يكونوا شركاء معها، والأيام علمتنا وتجارب الشعوب تلهمنا بأننا بالتعليم نحصّن وعينا، ونؤمّن احتياجنا، ونحمي أوطاننا، ونرسم مسارات مستقبلنا بكامل لياقتنا الروحية والعقلية والجسدية.

يمكن أن ننافس العالم بتعليمنا ومخرجاته. إثر تجاوزنا المنعطفات الحادة والشرسة، ولا أرى فتح حقائب الأحزان وندب المراحل لأننا لسنا لوحدنا من وقع في إشكالات التعليم، ولم نكن بمفردنا الذين واجهتهم الصعوبات، وأتصور أن الحلول اليوم أوفر والمسؤولين أقدر والإمكانات أكثر.

التعليم أولاً والتعليم دائماً، لأنه وسيلة لبناء مواطن صالح منتم ومميز، والتعليم لن ينجح إلا بالحُب ولن يظفر بنتائجه إلا عاشق معرفة.

*نقلا عن "عكاظ"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.