.
.
.
.

لهجات المدينة المنورة

حسين علي حسين

نشر في: آخر تحديث:

في العام 1853م زار الرحالة الإنجليزي "ريتشارد بيرتون" المدينة المنورة، وقدّم بعد رحلته القصيرة وصفاً عجيباً لسكان المدينة؛ بعض هذا الوصف توصل له بجهوده الذاتية وبعضه أخذه ممن خالطهم أو من زوّاره عندما كان قعيد الفراش من حمى إصابته عقب وصوله المدينة، وبعض هؤلاء للأسف زودوه بمعلومات تعكس مواقفهم السيئة أو الجيدة تجاه من طلب منهم "بيرتون" معلومات عنهم؛ وسوف أترك كل ذلك لمكان آخر، لأخذ رأيه عن لهجات أهل المدينة، وهو رأي بقدر ما كان صادقاً كان صادماً في الوقت نفسه؛ والحيرة التي انتابتني وأنا أقرأ توصيفه أو عرضه للهجات أهل المدينة؛ فقد حكم وهو صادق، أن لهجة سكان المدينة محيرة فهي تجمع بين لهجات أهل مصر والشام والسودان وتركيا والهند وفارس! وقد فطنت ألى ذلك مبكراً عندما كنت بصحبة جدتي في أسواق بالمدينة، فقد سمعتها تخاطب حاجاً أو حضرياً من أهل المدينة بلقب "الأفندي"! ولم أعرف لقب التبجيل هذا إلا بعد أن كبرت واختلطت بالناس، فعرفت أن الضابط ينادى في المدينة بلقب "بيه"! والدعوجي أو مقيم الدعاوى أو المحامي بلقب "أبو كاتو"! وهكذا.

لكن مشكلة اللهجات في المدينة، كما أشار "بيرتون" وكثير من كبار السن، ليست في وسط المدينة، حيث يتغلب الحاضرة أو المجاورون على أبناء البادية والفلاحين، وليست أيضاً فيمن يطلق عليهم سكان السور فقط؛ فهذا الاختلاف سوف تجده حتى فيمن كانوا يسكنون في قرى متقاربة أو متباعدة في المدينة نفسها، مثل قباء والعوالي وقربان والشريبات والعيون والسيح وسيدنا حمزة والجرف، قبل أن يدخلها التطور العمراني ويزداد سكانها، ومعهما دخول سكان جدد أو من أحياء أخرى بينهم. وكان سكان ما يعرف بحوش أو أحواش "النخاولة" جنوب المسجد النبوي، قبل إزالة الحارات والأحواش، يعرفون موقع الفلاح من أهلهم من لهجته، التي تدل على القرية، التي انحدر منها أو كان مقيماً بها. وكانت لهجة أهل الحوش خليطاً بين لهجة الحاضرة والفلاحين والبادية، وكأنها عاصمة من عواصم الدول!

أما لهجة البدو فهي أيضاً تختلف من قرية إلى قرية، فسكان العوالي وما يتبعها من قرى تمتد من شرق إلى جنوب المدينة، غير سكان قباء وما يتبعها، من قرى تمتد من جنوب، إلى جنوب غرب المدينة، علماً أن بعض سكان هاتين المنطقين يشتغلون في الفلاحة، فهم ليسو من البدو الرحل. ولهجة بدو المدينة من حرب غير لهجة بدو القصيم من نفس القبيلة، وما ينطبق على حرب ينطبق على المطران من سكان المدينة وغيرها من المناطق!

وأنتهي بما بدأت منه لأنوّه أن لهجتي التي ورثتها من بيئة فلاحية كانت تلقى استغراباً وأحياناً استهجاناً من زملائي وأصحابي من حضر المدينة، قبل أن أرسخ جذوري بينهم، لتتغير بعض مفرداتي نتيجة تلك المخالطة. قلت لزميلي الحضري: "كب" كتابي! وكانت العبارة عنده اترك أو دع، عوضاً عن "كب"! والمقارنة في المفردات كثيرة، لكن كل هذه الاختلافات بدأت تتقلص نتيجة للتداخل السكاني والمرونة في التقارب الاجتماعي.

*نقلا عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.