.
.
.
.

أين الفكر من «الثقافة» وجوائزها؟!

محسن علي السهيمي

نشر في: آخر تحديث:

ظل المثقفون -الفترة الماضية- يطالبون بفصل (الثقافة) عن (الإعلام) حينما كانت تجمعهما وزارة واحدة هي (وزارة الثقافة والإعلام)؛ طمعًا في منح الثقافة استقلاليتها، وإفساح المجال أمامها لترعى الثقافة وما يتعلق بها، وما يندرج تحت مسماها، بكل ما تملكه من طاقات وإمكانيات، فكان لهم ذلك عندما صدر الأمر الملكي بإنشاء وزارة للثقافة تحت مسمى (وزارة الثقافة) وتهدف -بحسب موقعها- إلى «تنظيم القطاع الثقافي، والنهوض بمقوماته، ودعم وتشجيع الممارسين فيه، وتطوير المجالات الإبداعية التي تندرج تحت تخصصها».

بادرت وزارة الثقافة فور إنشائها باستحداث (11) هيئة متخصصة لإدارة القطاع الثقافي السعودي الغني بتراثه ومقوماته الثقافية المتعددة والمتنوعة في كل أبعاد الوطن، ولا أرى تلك الهيئات إلا غطت مكونات القطاع الثقافي السعودي، لكن في الوقت نفسه فات الوزارةَ جانبٌ ربما يكون هو الأهم، بل هو رأس هرم القطاع الثقافي، وأعني به (الفكر ممارسةً ونِتاجًا).. لعل السؤال الجدلي الذي يحضر الآن هو: هل هناك تقاطع بين الفكر والثقافة؟ وهل يؤثر أحدهما في الآخر؟ الجدل يطول حول هذه المسألة، والخلاصة أن هناك تقاطعًا حاصلاً بينهما؛ فالعلاقة بين الفكر والثقافة -بحسب الدكتور عبدالرحمن الطريري في مقاله بصحيفة الاقتصادية- «تأخذ شكل المتوالية؛ فالفكر عندما يفعَّل، ويجد من يتبناه تتشكل له عناصر ورموز تنتهي إلى إطار مرجعي يأخذ به الناس، ويتمسكون به، ويشعرون بمشاعر إيجابية نحوه، وهذا ما يطلق عليه الثقافة، كما أن الثقافة توجد فكرًا متجددًا، متى ما كانت الثقافة حية، وتتفاعل مع مستجدات عصرها». كما لا يغيب عن فهمنا أن الفكر هو النِّتاج النهائي للعمليات العقلية التي يبذلها المفكر أو الباحث وتتمثل تلك النتاجات الفكرية في محصلتها النهائية في (حقائق وحلول وإجابات) تُطرح أمام الناس لتتم الإفادة منها، وعليها تقوم المشاريع والأنظمة، وتُبنى الإستراتيجيات، ودون شك فتلك النتاجات الفكرية تتأثر بالثقافة التي تنشأ فيها، فتأخذ في الاعتبار ماهيتها وطبيعتها، وتعمل على الإفادة منها، ومن ثَم بناء الحلول وتوليد الأفكار (النتاجات الفكرية) التي تسهم بدورها في الارتقاء بالمنظومة الثقافية، وهذا يعني أن الثقافة في بيئة المفكر هي المحرض الأول له، وهي الحاضن له ولأفكاره، وعلى هذا فليس من الإصابةِ الفصلُ بينهما، وقطعُ الروابط التي تربطهما.. من هنا ترتسم علامة تعجب حول عدم إدراج وزارة الثقافة للفكر ضمن هيئاتها الـ(١١) التي استحدثتها وقامت على رعايتها، خصوصًا والفكر -أخيرًا- بدأ يتعاظم دوره ويأخذ مكانته التي تليق به؛ ولا أدل على ذلك من إدراجِ وزارةِ التعليمِ التفكيرَ النقديَّ ضمن مقرراتها، بل إن المؤلفات الفكرية التي تدفع بها المطابع تشي بأن لدينا شريحة وافرة من المفكرِين ممن لديهم الحس الفكري الذي أثمر تلك المؤلفات. ثم ترتسم علامة تعجب أخيرة حول عدم إدراج وزارةِ الثقافةِ الفكرَ والنتاجات الفكرية ضمن مبادرة الجوائز الثقافية الوطنية التي أعلنت عنها أخيرًا وشملت هيئاتها الـ(١١)، وكان المرجو أن يحظى الفكر والمفكرون ونتاجاتهم الفكرية بجائزة مماثلة تعترف بأدوار المفكرِين، وتقدر نتاجاتهم ومؤلفاتهم؛ بوصف الثقافة محرضًا من محرضات التفكير، ووعاءً لاستيعاب وتوظيف نتاجاته الفكرية.. وعليه فلا وجاهة للفصل بينهما؛ بل ينبغي أن تبقى حتمية الترابط والقواطع المشتركة بين (الفكر والثقافة) قائمة.

*نقلا عن "المدينة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.