.
.
.
.

الحجُّ بوصفه موضوعاً أدبياً

د. فهد البكر

نشر في: آخر تحديث:

يشبه الحديث عن الحج - أحياناً - الحديث عن العزلة، من حيث وصف الحال، وتصوير الذات، وما يعتري الإنسان من انطواء على مشاعره، وأحاسيسه، وأفكاره، في مكان معين، وزمن محدد؛ لذلك نجد في الحج - أحياناً - أشكالاً متقاربة من أدب العزلة المؤقتة، أو العزلة القصيرة التي تحرّض على الكتابة الذاتية بألوانها المختلفة: السيرة، اليوميات، المذكرات، الاعترافات، المصارحات، المكاشفات، الرسائل الذاتية، والوجدانية؛ وربما ضَمَّ أدبُ الرحلةِ هذه الألوان المنبعثة من أدب الذات، وجَعَلَ الحجَّ محوراً لها، وموضوعاً رئيساً يندرج تحتها؛ وعندئذ يصبح (الحج) قيمة أدبية بحد ذاته.

لقد كان الحج - وما زال - مصدراً مهماً من مصادر كتابة الأدب، بل أضحى موضوعاً أدبياً متناسلاً منذ القديم؛ منذ أن كانت القوافل تسير في طريقها إلى الحج، فتدّون المشاهدات والأحداث قبل الوصول إلى مكة، وفي أثناء القدوم، والمكث، وعند الوداع؛ ويمكن أن نرى في الكتابات المنقوشة قديماً على الجبال المحاذية والمؤدية لطرق الحج، والإشارات الدالة على ذلك، والعلامات الموجودة في دروب الحج ومسالكه دليلاً أولياً على أن ثمة علاقة بين الحج، وأدبه؛ ويمكن عدّ تلك الكتابات إرهاصاتٍ وملامحَ أولى للكتابة المرتبطة بأدب الحج، إلى أن ظهرت القصائد فيما بعد، ثم تطور الأمر عندما ارتبط موضوع الحج بأدب الرحلات، والسير، والمذكرات، واليوميات، ونحوها.

أصبح الحج بعد ذلك موضوعاً أدبياً كبيراً، يستند إلى بدايات، وتحولات، ويرتبط بمظاهر، وألوان، وأجناس أدبية متنوعة؛ ولم يعد الأديب والناقد ينظر إليه من زاويته الدينية فحسب، بل صار ينظر إليه من زاويته الجمالية والفنية أيضاً، تلك التي تطفح بالحكاية، وما ينجم عنها من تنوع سردي، وأجناسي يزخر بالقص، والشعر، والرسائل، وما شابه ذلك؛ وهو ما يجعل من الحج موضوعاً أدبياً مميزاً، لا يقتصر على الجانب الذاتي فحسب، بل يمتلئ أيضاً بالأبعاد الجمالية، والأدبية، والفنية.

والمتأمل في أدب الحج قبل توحيد المملكة العربية السعودية على يد الملك عبد العزيز - طيب الله ثراه - يلحظ تصوير المعاناة والمشقة بأدق تفاصيلها يوم أن كان السفر عذاباً، قبل أن يصبح اليوم متعةً بفضل الله تعالى، ثم بفضل حكومتنا الرشيدة - أيدها الله -؛ التي قامت على توفير سبل الأمن، والأمان، والراحة، والاستقرار، وتقديم صنوف الرعاية والعناية المتكاملة لحج آمن ومريح؛ ومن هنا كان لزاماً على الأدباء، والمفكرين، والإعلاميين، والفنانين أن يعكسوا الصورة المشرقة، والآثار العظيمة، والدروس المتواصلة التي تقدمها مملكة الخير والعطاء بقيادتها الحكيمة لخدمة الحرمين الشريفين، وخدمة ضيوف الرحمن؛ وهي فرصة أيضاً لإبراز أدب الحج بثوبٍ زاهٍ وجديد يتناسب مع التطور المذهل الذي وصل إليه الحج في زمننا هذا، وبات منظراً جمالياً يشجع على كثير من الإبداع الأدبي والفني.

نقلاً عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.