.
.
.
.

لبنان .. فرصة المواجهة الحتمية

يحيى الأمير

نشر في: آخر تحديث:

رغم كل الأزمات والظروف والحروب التي شهدها لبنان طيلة تاريخه إلا أنه لم يحدث أبداً أن مر بما يمر به الآن، في الواقع ورغم قساوة وألم الانفجار وما خلفه من ضحايا ومن دمار إلا أنه كان بمثابة التوقيع الأخير على شهادة انهيار البلد بالكامل وتواز واقعي بين الدمار المادي الذي خلفه الانفجار والدمار السياسي والاقتصادي والأمني الذي يعيشه لبنان.

التركيبة السياسية في لبنان تركيبة فريدة من نوعها في المنطقة وربما في العالم، فالدولة ليست كل شيء ولا تملك تقرير مصير البلاد ولا مواقفها السياسية ولا العسكرية أيضاً، ثمة سلاح وميليشيا وولاءات لا علاقة لها بالدولة وثمة مشروع مواز لمشروع الدولة المفترضة في لبنان، حزب الله الإيراني أقوى من الدولة ويمثل كياناً موازياً ومسلحاً وجزءاً من المشروع الإيراني الذي بات يمثل الأزمة الكبرى في المنطقة وفي العالم.

هذه التركيبة تفرض أن النظام السياسي في لبنان يجب أن يكون فاسداً بالضرورة لأن هذا شرط التعايش والتأقلم الوحيد مع الكيان الميليشياوي المسلح الموازي للدولة، ولأن لهذا الكيان مهام وأهدافاً يقوم بها ضمن المشروع الإيراني فهو بحاجة لتسخير جانب كبير من مقدرات البلاد لخدمة ذلك المشروع، لذا يتحول المطار والميناء والحدود وغيرها إلى أدوات يهيمن عليها الحزب ويحولها لصالح مشروعه وأهدافه.

هكذا حول حزب الله الإيراني لبنان إلى مخزن أسلحة إيرانية وحول الموانئ والمطارات إلى محطات تهريب وخدمات لوجستية استخباراتية للنظام الإيراني وحول البنوك والمصارف إلى نقاط غسيل أموال، وفي ظل تلك الهيمنة كان على كل الطيف السياسي اللبناني أن يتماهى مع هذا الواقع وإلا فأي مواجهة من أي طرف سياسي لما يقوم به الحزب ستنتهي بعملية اغتيال وتصفية كما حدث مع كثيرين ممن رفضوا تحويل لبنان إلى بيدق في المشروع الإيراني.

انفجار بيروت الأليم هو نتيجة طبيعية لذلك الواقع السياسي الغريب الذي يعيشه لبنان، فلا يوجد أي جهاز أو مؤسسة في لبنان تعمل بشكل طبيعي ووطني، لأن العمل وفق رؤية وطنية أو تنموية يعني بالضرورة صداماً ومواجهة مع حزب الله الإيراني.

واقع القوى السياسية الحالية في لبنان يؤكد أنهم لن يكونوا على الإطلاق جزءاً من أي تغيير جذري في الواقع، كل تلك القوى مرتهنة لواقع سياسي بدائي وفاسد وقائم على المحاصصة والمصالح والتوازنات التي لا تعكس أي تطلع للشارع اللبناني ولا تنطلق من قيم وطنية أو مستقبلية، وبالتالي فكل اللاعبين السياسيين الآن في لبنان هم جزء أساس من الأزمة وبالتأكيد لن يكونوا جزءاً من الحل. اللاعبون الدوليون أيضاً إذا ما استمروا وفق أدائهم السابق فهم في الغالب لن يحدثوا تأثيراً جذرياً في الواقع اللبناني، ومع أهمية الزيارة العاجلة والرمزية التي قام بها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى لبنان إلا أن التصريحات إلى الآن تبدو حماسية وعاطفية وتحتاج إلى أن تطلق مشروعاً دولياً للتغيير في لبنان.

هذه أيام حزينة للشارع العربي وللعالم الحر وهو يراقب هذه الانهيارات المتوالية التي يعيشها لبنان، والتعاطف الكبير الذي اجتاح الشارع العربي إنما يعكس جانباً من محورية لبنان في الوجدان العربي، لقد لعب هذا البلد دوراً عظيماً في التشكيل الثقافي والفني والإنساني والعاطفي والحضاري في المنطقة، ومن المؤلم أن يتحول إلى رهينة في يد النظام الإيراني ومن المؤلم أن تتحول بيروت إلى مخزن أسلحة وإلى كومة من رماد.

إنها لحظة المواجهة الحتمية التي لن تتكرر، حزب الله الإيراني في أضعف مراحله، والعالم في أعلى لحظات تضامنه مع الإنسان اللبناني، الذي يمثل الرهان الواقعي للتغيير وللمستقبل ولاستعادة لبنان وبناء مستقبل يليق بتاريخه وجماله وطموحاته.

* نقلا عن "عكاظ"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.