.
.
.
.

الدرس القاسي لمنظمة الصحة العالمية

عماد العباد

نشر في: آخر تحديث:

في بدايات أزمة كورونا التفت العالم نحو منظمة الصحة العالمية باعتبارها المرجع الأهم في التعامل مع مثل هذه الجوائح التي تهدد صحة الإنسان، الجميع فعّل التنبيهات على حسابات المنظمة في وسائل التواصل الاجتماعي، وأصبح ما يصدر عنها بمثابة الدليل الأوحد في التعامل مع الوباء نظراً لاختصاصها وللجيش الكبير من الخبراء الذين يعملون معها. إلا أن هذه الثقة في المنظمة الدولية بدأت تتحول إلى شك وارتياب بسبب التخبط الواضح في رسائلها الاتصالية، بالإضافة إلى الحرب الكلامية المفتوحة التي واجهتها مع رئيس أقوى دولة في العالم.

الانتقادات التي طالت المنظمة لم تكن فقط من قبل جمهور غاضب سئم تصريحاتها، بل حتى من قبل الأطباء والعلماء والباحثين، وبرغم أن مثل هذا النقد كان متوقعاً في ظل سأم الناس من قيود الوباء وتململهم من انتظار الفرج، إلا أنه لا يخلو من الواقعية والمنطق، فما يصدر عن المنظمة منذ بداية الأزمة هو سلسلة من التخبطات الواضحة.

ففي بداية الجائحة تأخرت الصحة العالمية في تشخيص مدى خطورة الوباء، ومن ثم توالت الإدارة المرتبكة للأزمة مع تزايد الانتقادات حول تضارب المعلومات الصادرة عنها، وكان من أبرز تلك التناقضات الحديث عن جدوى استخدام الكمامة، وثم عن مدى قدرة نقل المصابين بدون أعراض للعدوى. وعلى وقع تزايد الانتقادات جنحت المنظمة بشكل متطرف للسوداوية والتشاؤم حيال مستقبل الجائحة لتبرئة ساحتها، فصرحت أن البشرية قد لا تتخلص مطلقاً من هذا الفيروس وأن عليها أن تتعايش معه، لتعود قبل أيام وتنقض هذا التصريح بالحديث عن انتهاء الوباء خلال سنتين، إلا أن هذا النهج التشاؤمي المتطرف أفقد مصداقيتها المزيد من النقاط لدى الجمهور.

لم يعد خافياً أن ما تقوله المنظمة لم يعد بذات الأهمية وأن مصداقيتها أصبحت على المحك. وبالتالي فإن الثقة في هذه المؤسسة لدى المجتمع الدولي ستعاني الكثير على المستويين القريب والمتوسط، وستحتاج إلى الكثير من العمل لكي تستعيد ثقة الناس بها. وهذا يتطلب إعادة هيكلة وعملاً اتصالياً طويلاً ومنظماً يعيد للجمهور الشعور أن المنظمة تعمل من أجلهم ولصالحهم. والأهم من ذلك أن تتعلم منظمة الصحة العالمية من هذا الدرس وأن تستوعب أنها أحد أهم الحراس المستأمنين على حياة المليارات من البشر، وبالتالي فهي بحاجة لأن تضع إدارة الأزمات والإنذار المبكر على قائمة أولى أولوياتها لكيلا تتكرر هذه الكارثة مع فيروس أكثر شراسة قد يهدد وجود البشرية برمتها.

* نقلا عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.