.
.
.
.

تويتر وفضح المستور

نايف الوعيل

نشر في: آخر تحديث:

إجراءات غير مسبوقة مطلع الشهر الجاري، صدّرتها إدارة تويتر، وكانت مثار جدل وسجالات طويلة المدى، فضلاً عن تحفُظات وسائل إعلام طالتها تحركات تويتر وتدابيره الأخيرة، الأمر بدأ حينما أعلن موقع التغريدات النصية القصيرة عبر مدونته في بيان إعلامي أن حسابات وسائل الإعلام المدعومة والممولة من الحكومات كافة ستحظى بعلامة مميزة لها، تسمح للمتابعين والمستخدمين وضع الحسابات السياسية والاقتصادية في الحسبان أثناء مطالعة الرافد الخبري الذي تشاركه الحسابات على مدار الساعة.

بالتأكيد، الأمر تم جره لصراع المعسكر الشرق مع الغرب، والحرب الصامتة بين الولايات المتحدة من جهة وروسيا والصين من جهة أخرى، لاسيما أن حسابات وكالات أنباء وسائل إعلام روسية وصينية كانت في مقدمة الحسابات التي وقعت تحت طائلة تويتر وحظيت بعلامات مميزة ترمز لعلاقتها المباشرة بحكوماتها، بينما أفلتت حسابات أميركية كان من المتوقع أن تحذو حذوها، لكنه قد يكون من المفيد تحليل إجراء كهذا، وما يمكن أن يقدمه للمستخدمين والمتابعين، وبالرغم من أن الخاصية الجديدة تُطبق بشكل تجريبي في الدول الخمس الأعضاء الدائمين بمجلس الأمن، إلا أن تطبيق هذه الخاصية في المنطقة لدينا من شأنه أن يقدّم عونًا حقيقيًا للمستخدمين العرب في مقابل التحرُكات الإعلامية المشبوهة من بعض وسائل الإعلام التي قد تتخفى خلف ستار من الممارسة المهنية وتقديم الرافد الخبري المعتاد، بينما هي في حقيقة الأمر تستخدم هذه المنصات كواجهة مُحاكة بشكل فعّال في دس سموم من الإشاعات والأخبار المضللة، ورُبما حتى الأخبار الحقيقية ولكنها المعتسفة من سياقها بشيء من لوي العنق، لإيصال وجهة نظر خبيثة.

قد يبدو أن ما أتحدث عنه ليس بالأمر الجلل، والمواطن الواعي من شأنه أن يكون متيقظًا لهكذا مواد دونما مساعدة من إدارة تويتر، إلا أنه، وبالتحديد في أوقات الأزمات، تعارض المصالح، الأحداث الجسام، سيكون من المفيد للمستخدمين أن يطلعوا على علامة مثل تلك في صدر الحسابات مُباشرة قُبيل استهلاك محتواها الخبري، وتحليلاتها، لا أتحدث ها هُنا عن حسابات المنصات الإعلامية الراسخة التي يعلم الجميع نواياها، بقدر ما أتحدث عن حسابات إعلامية مغمورة تُدشّن بين يوم وليلة، وتجتذب قارئها بالحيل المتباينة والإيهام بصدق ما تقدمه، وقد يكون من المفيد أن تكون نياتها ومصادر تمويلها معلومة وعلى رؤوس الأشهاد كما يقولون.

على كل الأحوال، بخاصية تويتر المستحدثة أو من دونها، إن ما نتطلع إليه في المستخدم العربي هو الحد الأدنى من الوعي والتثقف الإعلامي. ففي الوقت الذي تقدم فيه تويتر خدمة فضح المستور من الدعم والتمويل في وسائل الإعلام، خصوصًا وإن كان هذا الدعم ليس محدودًا، وإنما يقف خلفه ترسانة وعتاد ومد تمويلي لا يتوقف، لا بد أن يكون سلوك البحث والتقصي والتحقق من المعلومات المضللة هو ديدن المستخدمين، ليس بالضرورة أن يكون المواطن محصنًا بآليات متقدمة للتحقق من المعلومات التي نسعى إليها نحن معشر العاملين بالمجال الإعلامي لنتسلح بها، بقدر ما ننشد الحد الأدنى والنذر اليسير من العقلية النقدية التي لا تستقبل ما يقدّم إليها كافة دون معالجة وبحث، خصوصًا إن كان مغلفًا بقشرة برّاقة توهم المستخدم بأن ما يستهلك خدمة إخبارية محايدة، فضلاً عن سوق العناوين الخلابة والأفكار المسبوكة والمصاغة بعناية للنيل بفاعلية من الأمن القومي وحتى زعزعته.

* نقلا عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.