.
.
.
.

استئصال الفساد: «ليس من رأى كمن سمع»

زهير الحارثي

نشر في: آخر تحديث:

خطوة غير مسبوقة في تاريخ الدولة السعودية المعاصرة عندما أعلنت صراحة عن عزمها الجاد على محاربة الفساد بشكل مغاير ولافت منذ ثلاث سنوات، وهي مهمة لم تكن يسيرة ولكنها ليست مستحيلة على أي حال طالما توفرت الإرادة السياسية. سبق أن كشف ولي العهد الأمير محمد بن سلمان أن التقديرات تتحدث عن عشرة في المائة من الإنفاق الحكومي سنوياً تعرضت للاختلاس وتم أخذها بدون وجه حق، وهي أموال كان من المفترض أن يتم تسخيرها من أجل تنمية الوطن والمواطن. ليس من المبالغة القول إنها حامية الوطيس تلك المواجهة التي تعيشها السعودية تجاه الفساد ويقودها ولي العهد ما جعلها محل اهتمام العالم لجرأة القرارات وتطبيقها، بحيث لن ينجو من المحاسبة والعقاب من تورط في حبال الاستغلال والتكسب غير المشروع مهما كان منصبه أو مكانته.
خطورة الفساد في استشرائه الناعم وإيجاد التبريرات لقبوله ولكنه يُصاب في مقتل عندما تتحول جهود مواجهته لعمل مؤسسي مستدام وبالتالي يحدث هنا الفارق. الشفافية مثلاً تكتم أنفاس الفساد وتتلاشى بيئة نموه بالوعي المجتمعي. معادلة تحتاج لتكاتف جهود بين الدولة والمجتمع.
هناك التفاتة عالمية جادة لمحاربته وإن كان هناك دول بزت الجميع في تحجيم هذه الظاهرة الخطيرة التي استشرت عدواها إلى البلدان الصناعية والنامية على حد سواء. الإشادة بما تقوم به بعض الدول لمحاربة الفساد أمر طبيعي كونه يدفع باتجاه هدم السلوكيات والمفاهيم والممارسات التي تصبح مع مرور مع الوقت عرفاً سائداً ومستساغاً يعتاد المجتمع عليه ويقبله على مضض في عمق تركيبته الاجتماعية، ما يعني تشويه الحياة الاجتماعية ونخر الاقتصاد الوطني وضياع الحقوق.
ما تعيشه السعودية اليوم يكرس واقعاً جديداً وأنها على مسار الإصلاح والمعالجات الجذرية وتسمية الأشياء بأسمائها. ثمة جهل معرفي لدى البعض حول الإجراءات والقرارات التي أصدرتها السعودية في هذا الملف المهم بالرغم من أنها ولدت زخماً كبيراً رسّخ هيبة الدولة وحماية المال العام من الهدر والعبث.
البعض امتدح الخطوة السعودية والبعض الآخر فسرها كيفما شاء وفق مواقفه وأجندته السياسية، وهو أمر بات مستهلكاً ومكشوفاً. ما يهمنا هنا هو الطرح الموضوعي الواقعي الذي ينقل الصورة من دون رتوش وتنطبق عليه المقولة «من رأى ليس كمن سمع»، ولذا ووفق ما تناوله وطرحه إعلاميون وناشطون غربيون محايدون يمكن وضع السعودية في المكان الذي يليق بجهودها بدليل تقارير منظمة الشفافية الدولية في عام 2019 التي أشارت إلى تقدم السعودية سبعة مراكز عالمية في ترتيب مؤشر مدركات الفساد.
الفساد يسبب خللاً وانقساماً في طبيعة الحياة الاجتماعية ونموها، ويعكس حالة من الانفصام الطبقي، ويجعل العلاقات المجتمعية ميتة وموحشة من الداخل، لأن الفوارق وضياع العدالة الاجتماعية يفتك بالمنظومة المجتمعية.
أسلوب الحزم ليس شعاراً يتداوله السعوديون اليوم، بل تحول في واقع الامر لمنهج تمارسه الدولة في التعامل مع أي فئة تتجاوز الخطوط الحمراء بارتكابها أفعالاً مجرّمة قانوناً. الهدف من كل هذا الحراك هو الانطلاق نحو مسار دولة مدنية حديثة ودولة قانون تكرس العدالة الاجتماعية. هي صحوة ضد الفساد وإن كانت العبرة بالنتائج والقدرة على اجتثاث جذور هذا الوباء.
فاعلية التعاطي مع ملف الفساد اليوم في السعودية ونجاعتها يعود في رأيي لكونها ليست قرارات ارتجالية بل ممنهجة ومدروسة علمياً، وفي ظل رصد دقيق وقرائن تتجاوز دائرة الشبهة ضمن آلية محددة ونهج دائم وليس طارئاً ولا استثناءات مع أي كان، فالقانون فوق الجميع وهذا ما سبق أن أكده ولي العهد في حديث مع الكاتب الأميركي فريدمان.
من الواضح أن في مرحلة سابقة كان الفساد والكسب غير المشروع نتيجة طبيعية لعدم تفعيل دور الأجهزة الرقابية وكان دورها محدوداً، أو ليس كما ينبغي، فالخلل إداري وتشريعي كما أتصور أي إيجاد بيئة إدارية ومالية نظيفة ونزيهة، وكذلك وجود أنظمة واضحة وصارمة تطبق على الجميع. علينا أن نعترف أن مواجهة الفساد قبل 4 نوفمبر (تشرين الثاني) 2017 تختلف عما بعدها بدليل التفاعل والترحيب الشعبي والإعلامي.
الوضع الراهن يستحق التأمل والإعجاب لفاعلية دور الجهاز الرقابي الجديد الذي جاء بعد دمج هيئة الفساد مع هيئة الرقابه والتحقيق والمباحث الإدارية والمتابع يلمس الاحترافية والمهنية، والمؤمل استكمال إغلاق الثغرات التشريعية والقانونية.
الذاكرة محتشدة بالأحداث خصوصاً مع انطلاق المعركة منذ 3 سنوات، حيث طالت أمراء ووزراء وقضاة ورتباً عسكرية ومسؤولين وغيرهم، ومنذ ذلك الحين أصبح معتاداً صدور بيانات رسمية حول حالات اشتباه فساد وإحالتها للتحقيق ومن ثم للقضاء في حال ثبوت التهم، وبالأمس تمت إحالة مسؤولين للتقاعد والإعفاء والإقالة والتحقيق في إطار الحملة المستمرة للتخلص من آثاره الوخيمة والمعيقة للتنمية والاستقرار والتطوير.
وفيما كان العالم ينتظر ركود عاصفة «كورونا» كانت عاصفة محاربة الفساد تهب مرة أخرى في السعودية، مؤكدة أن التغيير ليس ظرفياً، بل هو قرار استراتيجي مرتبط بمصالح الدولة العليا وتطلعات الإنسان.

نقلا عن "الشرق الأوسط"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة