.
.
.
.

طموحات التعليم أكبر من إمكاناته

بدر بن سعود

نشر في: آخر تحديث:

اليونيسيف قالت في إحصاءاتها الأخيرة: إن 105 دول من أصل 134 فتحت مدارسها مؤخراً، وعاد مئات الملايين من الطلاب إلى مقاعد الدراسة، وهذه الدول تمثل ما نسبته 78 % من المجموع العام، ومن بينها، بريطانيا والدنمارك والصين وتايوان، وفي المملكة ومعظم الدول العربية مازال التعليم عن بعد هو سيد الموقف، كما كان في الفصل الدراسي السابق، ولا توجد استثناءات إلا في تخصصات المعامل للجامعات كالفيزياء والكيمياء، أو في المقررات العملية ومشروعات التعليم التطبيقية، ومن قام بإعادة النشاط المدرسي إلى طبيعته قدم مبررات وجيهة، فالتعليم الإلكتروني يؤثر على النمو العاطفي والاجتماعي للأطفال، وربما أثر بصورة سلبية على صحتهم النفسية ومسيرتهم الدراسية نفسها، والأسرة الغربية وأحياناً الآسيوية لا تستطيع ترك أعمالها ومتابعة تعليم أبنائها في البيت.

وزارة التعليم السعودية غلبت الجانب الصحي، واختارت الاستمرار في التعليم الافتراضي، وهو بالتأكيد خيار صعب، والدليل ما حدث في بداية هذا الأسبوع، فقد تعطلت منصة مدرستي، ولم يستطع الطلبة الدخول إلى حساباتهم، وتم توجيه ما يقرب من ستة ملايين طالب وطالبة لقنوات عين التعليمية ومايكروسوفت تيمز، والوزارة تعمل على برنامج تحول إلى التعليم الرقمي اسمه بوابة المستقبل، والمشروع عظيم إلا أن طموحاته أكبر من إمكاناته، فهو يفترض كمالاً تقنياً وبنية تحتية مؤهلة للخدمات الرقمية، وهذا الافتراض غير متاح في المرحلة الحالية، والمشكلة ليست عربية أو عالم ثالثية، فأميركا لديها أكثر من 3 ملايين طالب ليس باستطاعتهم استخدام الإنترنت من بيوتهم، وفي بعض الدول لا يملك القدرة على التعليم عن بعد إلا 18 % من إجمالي الطلبة.

التعليم عن بعد قديم وبدأ بالمراسلة في برلين وفي جامعة إلينوي الأميركية أواخر القرن التاسع عشر، وهو مفيد في التعليم النوعي بالمدارس المميزة في الداخل والخارج، بالإضافة لاستقطاب كفاءات تدريسية عالمية واستثمارها في العملية التعليمية السعودية، ونجاحه المحلي متوقف على التعاون والتنسيق المستمر بين وزارات التعليم والاتصالات والصحة، فما حدث يوم الأحد القريب يعطي مؤشراً أن الوزارات الثلاث لا تعمل بشكل تكاملي.

علاوة على أن التهافت نحو التعليم الإلكتروني أوجد سوقاً سوداء للتجهيزات الإلكترونية في المملكة، والإمارات أخذت بأسلوب التعليم الهجين في التعامل مع الموقف، وطرحت خياري التعليم المباشر والإلكتروني، وأعتقد أنه قرار موفق ينقل المسؤولية من المؤسسة التعليمية إلى أسر الطلبة، ويعطيهم الحرية في اختيار ما يتوافق مع قناعاتهم الشخصية وقدراتهم المالية.

الصحة والتعليم لهما النصيب الأكبر في ميزانية الدولة قبل كورونا، وقد زادت مصروفاتهم كثيراً بعدها، والمدخولات العامة تراجعت بصورة حادة، والدخول في تجارب غير مدروسة بعناية ترف لا يمكن تحمله، والمطلوب أن يستفيد التعليم من تجربة الصحة الناجحة في مواجهة الوباء، ويستنسخ نموذجها بما يتناسب واحتياجاته.

نقلا عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.