.
.
.
.

ماذا لو كان ابن حزم فرنسياً؟

عبدالله الرشيد

نشر في: آخر تحديث:

كتب المؤرخ الإسباني سانتشث البرنس دراسة مستفيضة عن جوانب عبقرية عالم قرطبة وأديبها الإمام ابن حزم الأندلسي (ت٤٥٦هـ)، جاءت بعنوان «ابن حزم.. قمة إسبانية»، وفي مطلعها اندفع سانتشث بكل عاطفة جياشة مشيداً ومعجباً بابن حزم الذي جاء في ظروف قاتمة شهدتها الأندلس وهي ترزح تحت الحروب الأهلية، وتنزلق نحو الانحدار الفكري والسياسي، إلا إن ابن حزم قاوم هذا كله، فشق طريقه وسط التحديات المريرة «وفي قلب إسبانيا الممزقة رفرفت شخصية العلامة القرطبي خفاقة عالية، ويمكن أن تقارن بأعظم قمم الفكر الإسباني على امتداد كل العصور».

لم يكتفِ سانتشث بهذا الوصف بل انطلق مفصلاً وموضحاً أكثر حول عمق شخصية ابن حزم، وأثرها ليس في إسبانيا وحدها، بل في كل أوروبا، يقول: «كان ابن حزم متكلماً فيلسوفاً، فقيهاً وباحثاً، لغوياً ومؤرخاً، شاعراً وناثراً، عالم نفس وأخلاق، رجل فكر وعمل، سياسياً، وحالماً. ويمكن أن يوضع اسمه إلى جانب أعظم كبار المفكرين والشعراء في العصور الوسطى. ولو قدر له أن يكتب في اللغة اللاتينية لبلغ اسمه من الذيوع والشهرة في العالم ما بلغه دانتي اليجيري، أو القديس توما الأكويني، لكن من الضروري أن نصرح أن ابن حزم لو كان غربياً خالصاً في تلك الأيام التي قدر له أن يعيشها لكان من الصعوبة البالغة بمكان أن يبلغ القمة التي حلق فوقها فكره، لأن الثقافة الأوروبية خلال النصف الأول من القرن الحادي عشر اتسمت بالفجاجة، وكان ممكناً أن تدمر القدرة الخلاقة عند ابن حزم».

بلغ إعجاب المستشرقين الإسبان بشخصية ابن حزم مبلغاً عظيماً، يصل إلى أقصى درجات التيه والإجلال والاحترام والثناء، لولا المكون العربي الإسلامي في شخصيته لأصبح واحداً من أعظم شخصيات الفكر الغربي في العصر الوسيط كما يقرر ذلك صراحة سانتشث البرنس، ونتيجة لذلك حاول سانتشث بكل قوة في دراسته هذه أن يثبت أن جميع جوانب التميز والإبداع والعبقرية والعظمة عند ابن حزم مردها لأصله الإسباني، وأصالة أجداده المسيحيين، وأن نظراته في الحب وفلسفته في العشق هي ذات جذور إسبانية نابعة من هويته وعرقه، «فهو إسباني روحاً ودماً، حفيد الأيبيريين الإسبان القدامى، أبناء فرضة نهر ولبة»، دعا سانتشث إلى تجاوز كل القيود والعراقيل والتعامل مع شخصية ابن حزم لا كأحد أبناء ورموز الثقافة الإسلامية، بل كأحد رموز العصر الوسيط الأوروبي وقمم التاريخ الإسباني المسيحي.

يمكن أن نفهم نظريته في سياق الإعجاب العاطفي الإسباني بابن حزم، أما تكون لها وجاهة علمية وتاريخية ففي ذلك تعسف وتكلف كبير ومغالطات واسعة لطبائع التاريخ وحقائقها.

حتى وإن اختلفنا حول أصول ابن حزم ونسبه هل هو فارسي أم إسباني، فإن ذلك لا يغير من المعادلة شيئاً، فابن حزم مفكر مسلم، كتب باللغة العربية، وهو سليل أسرة نشأت منذ القدم على العربية والإسلام، يعود إسلامها إلى عهد عمر بن الخطاب، وأجداده موالون لبني أمية منذ يزيد بن أبي سفيان، ترعرع ابن حزم في هذه الأسرة متشرباً قيم الإسلام وأخلاق العرب، لصيقاً بأجل أسرهم شأناً ورفعة، مناصراً منذ نعومة أظافرة لخلفاء بني أمية، منافحاً عن حضارة الإسلام، ضليعاً في علوم العرب وآدابهم، بليغاً إذا كتب، شاعراً إذا نطق، حجة إذا صنف، مرجعاً في الأصول والتاريخ، واللغة، والتفسير، مؤسساً لأحد المذاهب الفقهية الإسلامية (المذهب الظاهري)، هو ابن العرب والعربية، روحاً وفكراً ومنهجاً، منافحاً عن سيرهم وشرفهم وأنسابهم، ألف كتاب «جمهرة أنساب العرب» فهو من العارفين بأنساب العرب في الغرب الإسلامي.

هل بعد ذلك يقال إن عبقرية ابن حزم تعود إلى خصائص سلالته الإسبانية وأجداده المسيحيين؟! قد اتفهم منطلقات المستشرق الإسباني سانتشث حين يتبنى ويدافع عن مثل هذه النظرية، أما أن يأتي بعض الباحثين والمثقفين العرب فينسبوا عبقرية ابن حزم إلى الجذور الإسبانية والمسيحية، فهذا ما أعجز عن فهمه، ففي الوقت الذي يستميت فيه الإسبان بكل الطرق لإثبات الأصالة الإسبانية لابن حزم، يتخلى بعض العرب عن أحد أهم رموزهم، ويتخاذلون بشكل يثير المقت والغضب عن واحد من أكبر رموز الحضارة العربية الإسلامية، ويقدمونه بالمجان لأي أمة تريد أن تكسب من هذه الشخصية العظيمة إرثاً وتراثاً لها.

ما زلت لا أفهم هذه الظاهرة الغريبة عند بعض العرب ممن يتفننون في نفي كل خصائص التميز والإنجاز والعبقرية في الحضارة العربية، ثم ينسبونها لقوميات وأعراق أخرى، وكأنهم يريدون أن ينسلخوا من تاريخهم وتراثهم، ويسلخوا ذواتهم.. هل هو إدمان لجلد الذات؟ أم هو غرق مرير في وحل الفشل حتى أصبح يتخلى بكل برود وجحود عن تراثه ورموز تاريخه، في الوقت الذي تتقاتل فيه الأمم والقوميات الأخرى في نسبة هذه الشخصيات لنفسها؟!

إنني لا أبالغ إذا قلت أن ابن حزم لو كان فرنسياً لأصبح في مصاف فولتير، وفيكتور هوجو، وبلزاك، ولو كان إنجليزيا لأصبح في مقام شكسبير، وديكنز، ولو كان إيطالياً لأصبح أعظم أثراً من دانتي اليجيري وتوما الأكويني.

* نقلا عن "عكاظ"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة