.
.
.
.

دفاتر الوراق

فضيلة الفاروق

نشر في: آخر تحديث:

عرف إبراهيم الورّاق أن "للحب يد قادرة على انتشال غريق يلفظ نفسه الأخير في بحر هذه الحياة المالح" (9) ولكنّه لم يخبرنا عن الحب إلاّ حين ألقى علينا القبض تماماً بشباك حكايته. ظلّ يسحبنا شيئاً فشيئاً إلى أراضيه وأمكنته، حتى أصبحنا جاهزين تماماً للاستسلام لأقداره.

ولم تكن هذه الأقدار في غرابتها أجمل ما في حكاية الورّاق المفجوع فيما حدث، بل إن الأكثر جمالاً هو النسيج اللغوي الذي حيكت به الرواية، وإذ بنا نقف أمام كاتب فذّ، يمسك بزمام أدواته الإبداعية، ويبني تحفته الروائية بتأنٍّ جميل، والتي أسماها "دفاتر الورّاق" إصدار المؤسسة العربية للدراسات والنشر (بيروت).

هكذا يسجل الكاتب الأردني جلال برجس حضوره الأدبي لهذا الموسم، بصعود نحو الأعلى، وبعمل تفوّق فيه على نفسه، بعد أن تألّق بأعمال سابقة نال بها جوائز عديدة، فبَرزَ اسمه بين أهم الأسماء المكرّسة أدبياً في المشهد العربي العام.

وكمن يبني حديقة بديعة على شكل متاهة، يُدخِلنا برجس إلى عوالم الورّاق السحرية، فنتوه متلّمسين الطريق بين جدران الحكايات المنبثقة من ألغازه. بكثير من الإثارة يجعلنا نلهث بحثاً عن منافذ سرية تُخرِجُنا بسلام من ورطة جاد الله الذي أنجب إبراهيم، ومن ورطات بالجملة وقع فيها إبراهيم، فتحوّل لصاً ومتلصّصاً، وخاسراً ملّ من حياته ويريد أن ينتهي منها، ثم عاشقاً محباً للحياة، ثم أباً للمشردين، وحالماً بإنقاذهم من شراسة المجتمع وازدواجيته، وهو في كل ذلك الاستعراض الأدبي البديع يخرج في كل مرة متقمّصاً شخصية روائية تركت في داخله أثراً عميقاً.

نُبحِرُ مع الكاتب في لجّة عظيمة من المعارف الأدبية، مُنبِّهاً إيانا على "لن يقدر الإنسان على صنع حياته إن لم يستخدم عقله في فهم كل شيء حوله" (328). وقبل أن نفهم بالضبط هل ما يحدث واقع أو هلوسات متخيلة لأبطاله؟ نبلغ قمة الشغف لمعرفة الحقيقة متجاوزين ثلاثمائة صفحة من المتعة دون كلل أو ملل.

هل يمكن اختصار رواية بهذا الثراء؟ ثمة شعور بالعجز انتابني وأنا أحاول لملمة أطرافها، كون مركز ثقل الأحداث الروائية يهوي بنا إلى الأعماق الإنسانية السحيقة، حيث لكل منا مقبرته الخاصّة التي يدفن فيها أجزاء كثيرة من ذاته قبل أن يموت تماماً فتُرمَى قوقعته في قبرٍ آخر.

كل الأسئلة العويصة المتعلّقة بالأنا ورؤيتها من الداخل نجد لها الكثير من الأجوبة في دفاتر الورّاق. هل يولد الإنسان طيباً أم شريراً؟ هل الشرُّ لقاح ضروري لخوض غمار الحياة؟ وإذا كنّا نولد جميعاً طيبين، مثل الصّحائف البيض، فمن أين يتسلّل إلينا فيروس الشر؟

تبدو حياة الوراق مفترق طرق بين عالمين متشابكين من الوهم والحقيقة، من الشر والخير، من الحب والكراهية، مثل ملحمة شكسبيرية لا تحتاج للشرح، بل وقفة إعجاب لا غير.

* نقلا عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.