.
.
.
.

قراءة في مفاهيم.. السلام والتطبيع

سعيد الفرحة الغامدي

نشر في: آخر تحديث:

فرضيات السلام مبنية على إزالة الأسباب والمسببات التي أدت إلى غياب السلم بين أطراف متنازعة، وهذا شرط أساسي ومُلزم لتتحقق العدالة إما بالحرب أو بالاحتكام للمواثيق والقوانين الدولية، وإذا تعذر ذلك فإن النزاع يظل قائماً حتى تنتفي شروط بقائه.

من الأمثلة الحية منذ النصف الأول من القرن العشرين مسألة كشمير بين الهند وباكستان التي استنزفت مئات القتلى من الطرفين ومازالت تهدد السلم في شبه القارة الهندية منذ التقسيم وتكوين دولة باكستنان.. ولولا امتلاك قدرات توازن الرعب بسلاح ردع نووي لدى كلا الطرفين لشهد العالم حربًا طاحنة بكل ما يترتب عليها من خسائر مادية وبشرية.

الحالة الثانية القضية الفلسطينية التي بدأت في عهد الاحتلال البريطاني لفلسطين ونتج عن ذلك وعد بلفور المشؤوم عام 1917م الذي منح اليهود حق الوجود، وقد كان عددهم أقل من 5% من سكان فلسطين في ذلك الوقت بشرط عدم الإخلال بحقوق الأغلبية العرب من مسلمين ومسيحيين، ولكن الحكومة البريطانية لم تتابع قرارها بضمانات التزام بالقرار بل إنها واصلت دعمها للصهاينة سياسيًا وعسكريًا وماديًا على حساب أهل الأرض، وغضَّت الطرف عن كل التجاوزات الصهيونية وجرائمها البشعة وأيدت بريطانيا العظمى الاعتراف بها في الأمم المتحدة، وتآمرت مع فرنسا للغزو الثلاثي ضد مصر وبعد انسحاب الدول الثلاث فرنسا وبريطانيا وإسرائيل بإصرار من أمريكا وقرار مجلس الأمن استمر النزاع خلال الحرب الباردة حتى وقعت كارثة حزيران في عام1967م واحتلت إسرائيل الضفة الغربية التي كانت تحت ولاية الأردن وقطاع غزة التي كانت تحت ولاية مصر.

واستمرت حرب الاستنزاف حتى قامت حرب 1973م التي كانت شبه انتصار للجيش المصري وتفاصيل أخرى لا مجال لحصرها في هذه المساحة والعجالة.

بعد حرب أكتوبر قام الرئيس السادات بمبادرته المدهشة لزيارة إسرائيل وخاطبهم في الكنيست، ونتج عن ذلك معارضة قوية من كل الدول العربية أدت الى نقل الجامعة العربية من القاهرة إلى تونس. وعقد اجتماع كامب ديفيد برعاية الرئيس الأمريكي جيمي كارتر.. فاوضت مصر وطلبت من سوريا المشاركة لاسترداد الجولان والفلسطينيين لاسترداد الضفة الغربية وغزة ولم يستجيبا وانتهى الصلح بإبرام معاهدة كامب ديفيد وانسحاب إسرائيل من سيناء بشروط!.

في الحالة الأولى (كشمير) هناك تطبيع مضطرب بين الهند وباكستان ولكن أيضًا هناك توازن قوى وشبه ضمان لعدم التصعيد لأن الطرفين يملكان قدرات نووية وذلك أثبت أنه ضمان رادع للدخول في حرب مباشرة.

في الحالة الفلسطينية كل محاولات التطبيع مع مصر والأردن والفلسطينيين أنفسهم لم تنجح بسبب غياب توازن القوى لصالح الجانب الإسرائيلي ولأن إسرائيل ليست مستعدة لسلام شامل ودائم مع الفلسطينيين أولاً.. ولا ومع الدول العربية الذين يشترطون حل القضية والاعتراف بحدود دولة فلسطين وعاصمتها القدس. والمعضلة الكبرى أن إسرائيل لا تريد حدوداً معترفاً بها دوليًا تلزمها بموجب القانون والأعراف الدولية أسوة بغيرها من دول العالم.. ولكنها تريد مفهوماً عائماً.. دولة يهودية تهيمن وتعبث كما تشاء وتتوسع على حساب جيرانها.

والعامل المشترك بين القضيتين.. كشمير وفلسطين، أنهما من مخلفات الاستعمار البريطاني التي انسحبت وتخلت عن أي محاولة لتصحيح أغلاطها التاريخية وزرعت بذور فتنة وتراجيديات إنسانية في كلتا الحالتين.

التطبيع العربي مع إسرائيل يبقى بحاجة إلى ضمانات تفضي إلى أن إسرائيل تنوي حل القضية الفلسطينية لأن توازن القوى في صالحها، ومن يقرأ خطاب نتنياهو يدرك ذلك. فجوهر الخلاف مع الدولة اليهودية هو عدم استعدادها لحل القضية الفلسطينية.

وفي الختام فإن السلام يتم نتيجة لحل نزاع قائم والتطبيع ممارسة لعلاقات وتبادل منافع بعد السلام.

* نقلا عن "المدينة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.