.
.
.
.

مع الخيل يا شقرا

ملحة عبدالله

نشر في: آخر تحديث:

لم يكن سابقونا يسوقون الأمثال إلا كوسيلة توعوية تفوق مقام محاضرة أو ندوة أو فيلم أو أي وسيلة من وسائل الإعلام في يومنا هذا، بل تتعدى أهميتها ووظيفتها إلى كونها تصبح ثيمة أو أيقونة فكرية تتخذها الأجيال القادمة مثالاً دالاً على سلوك البشر..

مثل يتسلل إلى مسامعنا عبر السنين وقد لا يُعرف إلا في الجزيرة العربية - بالرغم من أمثال تطابقه في بلدان أخرى - وذلك لطبيعة هذه الأرض ومن حب أهلها لامتلاك الخيول والتباهي بها. ومن هنا ساد هذا المثل الذي يعود أصله في الحكاية الشعبية إلى أنه كان هناك رجل يربي بقرة شقراء، والشقراء من الخيل والأبقار والجمال ما يميزها بامتلاكها والتباهي بها، إلا أن هذا الرجل كما يرد في سيرنا الشعبية كان يتمنى أن تكون بقرته فرسا شقراء يصول بها ويجول، وتشد أمنيته هذه عندما يرى جاره الثري وصاحب الخيول المُهر الشدائد تنطلق كل يوم تنهب الصحراء وتقدح الصفيان حوافرها كقدح الشرر، بينما بقرته حبيسة زريبته لا تلوي على شيء سوى التهام العلف، ففي أول المقام وفي آخره هي بقرة!

وفي ذات يوم فتح جاره اصطبلاته لخيوله فأخذت تقدح الصخر بالشرر، وتطوي الفلاوات بذيول تراقص بها نسمات الريح، فما كان لصاحب البقرة إلا أن أطلق سراحها وفتح لها باب زريبته قائلا: مع الخيل يا شقرا.. فانطلقت تنهب الأرض كما لو أنها مهرة متمردة رافعة ذيلها في الهواء ترقصه ترقيصة مهرة بالغة الدلال!

لم يكن سابقونا يسوقون الأمثال إلا كوسيلة توعوية تفوق مقام محاضرة أو ندوة أو فيلم أو أي وسيلة من وسائل الإعلام في يومنا هذا؛ بل تتعدى أهميتها ووظيفتها إلى كونها تصبح ثيمة أو أيقونة فكرية تتخذها الأجيال القادمة مثالاً دالاً على سلوك البشر!

لماذا استمر هذا المثل الشعبي حتى يومنا هذا؟ ولماذا يتردد على أسماعنا باستمرار؟ ذلك لأن البشر هم البشر، والسلوك الإنساني يتكرر باستمرار! ولذا تدوم الأقوال على شفاة العجائز والساخرين من أفعال منحرفي السلوك ومن هنا تتغذى الأمثال الشعبية على هفوات البشر.

إن في يومنا هذا ومع تلك السيولة المستدامة والمتلاحقة في الإعلام وفي وسائل التواصل الاجتماعي وأيضا في خضم هذا الاضطراب الكبير في المحيط العربي، نجد هذا السلوك وبشكل يجعل الخيل تتوقف من أجل أن ترى إلى أي مدى تصبح البقرة فرساً! فلربما نسيت البقرة نفسها واعتقدت أنها بهذا الرفس والرمح قد أصبحت مهرة شقراء فقط لأن صاحبها شجعها وقال: (مع الخيل يا شقرا) صدقت المسكينة وانبرت في السباق وهي لا تعلم أن صاحبها قد سعى في جعلها محط سخرية على مر العصور دون أن تفقه ذلك، فهي بطبيعة الحال بقرة ولا حول لها ولا قوة سوى أنها أخذتها نشوة الاستجابة والتشجيع والتصفيق وهي لا تعلم أن المنصات فضاحة، عفوا نقصد الفلاوات فضاحة بمعى أدق.

هناك نظرية تسمى (Up and dowen) وهي تتلخص في أنه حينما يراد الإيقاع بشخص في براثن جهله والتخلص منه نرفعه كي نسقطه، بتلك المفارقة التي تقول: (أنت تعلم، وأنا أعلم، وهو لا يعلم) ودائما ما تحدث للبطل التراجيدي في الدراما، والتي ما إن تنكشف المفارقة حتى يقع البطل في فخ الجهل وشهوة القول وارتداء الملابس الصفراء.

هذه النظرية هي ما جربها الفلاح البدوي البسيط على بقرته التي تمثل لنا دور البطل في هذه المأساة، بأن أوهمها بأنها ند للخيل، وهي لا تمتلك من المقومات سوى كونها شقراء كلون أحد الخيول ليس إلا، فصدقته ونهبت الأرض وصالت وجالت لأنها لا تعلم، لكننا نعلم، وكذلك الآخرون، لكنها لا تعلم. فالمعرفة الحقيقية يمتلكها طرفان دون الطرف الثالث المتمثل فيها، ولذا كانت مأساتها أن أصبحت سخرية للبشر على مر السنين!

رحم الله والدي حينما كنت أحدثه يقول لي: "يا بنتي الكلام له رأس وله رجلين"، وهذا هو قانون الحديث في مجالس الرجال حينها؛ لكننا اليوم أصبحنا نسمع ونرى كلاما وآراء بلا رأس وبلا رجلين، وهو ما يشتت المعرفة ويبلبل الرأي العام، ويضر بمصلحة العباد والبلاد وعليه يصبح اتخاذ القرار ضعيفاً هزيلاً متردداً غير ذي وجهة، لأن أغلب الآراء في بلادنا العربية باتساع رقعتها أصبحت (مع الخيل ياشقرا).

نحن لا نعلم من أين استنبتت هذه الفسيلة المقيتة في مجتمعاتنا والتي أصبح مرمى رمحها هو اتخاذ القرار وإسداء الرأي الصائب والمنتج على كل الأصعدة! وفيما أعتقده أنه الخوف والتملق والبحث عن المصالح الشخصية والتي أفسدت كل أمر في حياتنا، نظرا لهذا السلوك الذي لم يعهده آباؤنا، والذي من أقوى شيمهم الخوف من اللوم وهو أشد ما يؤرق العربي، فكان فصيحا صاحب رأي ومشورة مهما كانت النتائج لأن مجتمعه يعرف وهو يعرف ونحن نعرف، هذه المعرفة لا تدع للمفارقات سبيلا ويكون الأمر مشكوفا منذ بدايته وبناء عليه لا توجد مأساة درامية إلا فيما ندر.

إن مأساة مجتمعاتنا اليوم هي تلك المداهنة والرياء وقلب الحقائق والكذب من أجل الاسترزاق و(السير مع الرائقة) كما يقول المثل المصري أو كما يقول المثل الشعبي (معهم معهم، عليهم عليهم) أقنعة تكشفها الأحداث مهما تقلب خط سير البطل الدرامي فلا بد للستار أن يسدل مهما امتد زمن المسرحية.

* نقلا عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة