.
.
.
.

تطبيق «اعتمرنا» الخطر قائم وكورونا بالمرصاد !

نجيب يماني

نشر في: آخر تحديث:

بدأت وزارة الحج والعمرة في تفعيل تطبيق «اعتمرنا» لتمكين الراغبين من زيارة الحرمين الشريفين وتنظيم أوقات أداء المناسك والتخطيط المُسبق لها لضمان تطبيق الضوابط والإجراءات الاحترازية والوقائية للمحافظة على الصحة العامة، في إطار جهود المملكة التي اتخذتها بعناية فائقة منذ بدء الأزمة، وطبّقت معاييرها بكل دقة وإخلاص مضحية بالكثير من المكتسبات من أجل المحافظة على النفس البشرية وصيانتها من التلف والهلاك كأهم مقصد من مقاصد الشريعة الإسلامية.تطبيق اعتمرنا خطوة متقدمة بالتعاون مع الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الصناعي، ويسمح هذا التطبيق لستة آلاف مواطن ومقيم في السعودية بأداء العمرة يومياً على أن ترتفع النسبة إلى 75% من هذه الطاقة في الشهر المقبل، يتبعه السماح للمعتمرين من دول آمنة من الوباء بأداء المناسك خلال شهر نوفمبر.


فرحة عمّت الكثيرين ممن أضناهم الشوق وهزّهم الوجد للعودة إلى رحاب الحرمين الشريفين. يقول الحق: {وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْناً..}. ولكن وفي نفس الوقت لا بد أن ندرك جيّداً أن جائحة كورونا ما زال خطرها قائماً ولم يتخلص العالم من شرّها بعد، وما زالت تفتك بسكان الأرض، وقد عبّرت منظمة الصحة العالمية الأسبوع الفارط عن قلقها من تزايد أعداد الإصابات والوفيات بسبب فايروس كوفيد 19، وترى المنظمة أنه لا تلوح في الأُفق نهاية قريبة للجائحة حتى الآن.


فور صدور (اعتمرنا) انهالت الكثير من الطلبات على التطبيق حتى ضاقت عليه التكنولوجيا بما رحبت

الكل يريد العمرة! ولكن لا بد أن نكون أكثر وعياً وإدراكاً بأن الله وقبل أن يأمرنا بإتيان شعائره أمرنا بالمحافظة على النفس البشرية التي تأتي أولاً وقبل كل شيء فلا نعرّضها للتلف والهلاك فالخطر قائم وكورونا بالمرصاد.

لذا فإن الوعي مطلوب والإلمام بمقاصد الشريعة واجب فكل من سبق له واعتمر أن لا يعاود اليوم الكَرّة مرّة أخرى، ويترك المجال لمن لم يسبق له أن اعتمر، وزار، خاصة ممن يسكنون مكة المكرّمة وما حولها فهؤلاء لا عمرة لهم، فكثير من الصحابة ممن سكن مكة المكرّمة لم يأتوا بعمرة، فلم تنقل لنا كتب الأحاديث والأخبار أن أحدا منهم اعتمر حتى ابن عباس حبر هذه الأمة لم يفعلها ولو فعلها هو أو غيره من صحابة رسول الله لنُقلت إلينا. وعن عطاء (المصنّف) قوله ليس على أهالي مكة عمرة. فأهالي مكة لا ينبغي لهم أن يأتوا بالعمرة؛ سواء كانوا حُجاجا أو غير حُجاج في رمضان أو غيره من الشهور.

يقول ابن عباس أنتُم يا أهل مكة لا عمرة لكم إنما عمرتكم الطواف. فالعمرة تُستحب للأفاقين البعيدين عن مكة المكرّمة، (المغني لابن قدامة) فالإعمار معناه مجيء الناس إلى هذا البلد لكي يكون عامراً دائماً ولا ينطبق هذا المعنى في حق أهل مكة لأنهم أصلاً هم عُمّار البيت بكونهم ساكنين فيه مقيمين طوال العام.

وقد اعتبر ابن تيمية أن الاعتمار من مكة وترك الطواف بدعة، فالمُستحب هو الطواف حول الكعبة (إذا كانت الأحوال الزمانية والمكانية تسمح بذلك) دون الاعتمار بل يُعتبر الاعتمار بدعة لم يفعلها السلف.

العمرة في مجملها سُنّة مؤكّدة يُثاب فاعلها ولا يُعاقب تاركها، وهي ليست بفرض وتكون لمرّة واحدة في العمر، وفي الفتاوى لابن تيمية «أن تكرار العمرة مكروه باتفاق سلف الأمة فلم يفعله أحد منهم بل اتفقوا على كراهيته وأن من استحبه من الفقهاء ليس معهم حُجّة أصلاً إلاّ مجرّد القياس العام وهو تكثير للعبادات أو التمسُّك بالعمومات». وقد اختار هذا القول ابن عثيمين رحمه الله بقوله «... لكن تكرار العمرة كما يفعل الجهّال هذا هو الخطأ فالنبي عليه الصلاة والسلام بقي في مكة المكرّمة زمن الفتح تسعة عشر يوماً لم يخرج ليعتمر فهل النبي يجهل أنّه مشروع؟ كلاّ أو عنده عليه الصلاة والسلام تهاون في ترك الأمر الفاضل؟ حاشاه من ذلك فلم يخرج للعمرة رغم أن التنعيم قريب.. إذن هذا التكرار -أي العمرة- الذي يوجد من بعض الناس خِلاف للسنّة».

تقول السيدة عائشة -(ذكره ابن تيمية)- «لأن أصوم ثلاثة أيام أو أتصدّق على عشرة مساكين أحبّ إليّ من أن اعتمر العمرة التي اعتمرت من التنعيم».

فلنجعل من أم المؤمنين قدوة لنا ونتصدق بمال العمرة على الفقراء والمساكين ونسدّد عنهم ما أقض مضاجعهم من فواتير علاج ودواء وخدمات ونمد يد العون لهم، وهذا أفضل من العمرة المتكرّرة، بيننا محتاجون لا يسألون الناس إلحافاً علينا أن نجدهم ونعطيهم بدلا من تكرار العمرة، فالتكرار لا فائدة منه غير زيادة الزحام وتشتيت الجهود وإرهاق أجهزة الدولة وحرمان من هو في شوق للحرمين الشريفين، خاصة أننا في زمن كورونا والجهود التي قامت بها الدولة كبيرة لا تُنكر، فلا نكون سبباً في حصد المزيد من الأرواح وعبئاً على أسرة المستشفيات ولكل من حالفه السعد وكُتبت له زيارة الحرمين الشريفين أن يطبّق الإجراءات الوقائية والاحترازية بكل حِرص وأمانة، فقد سمعت البعض يقول ليتني أمرض وأُدفن في مكة المكرّمة أو المدينة المنورة وهذا خطأ كبير فليس لبقاع الأرض في ميزان المرء مُحتسب فلن تنفع الميّت أرض ُدُفن بها إلاّ ما بقي معه من عمله بعد موته لقوله تعالى {ادْخُلُواْ الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} وقوله تعالى {هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}، إلى الكثير من الآيات التي تجعل من عمل المرء طريقه إلى الجنّة وليس الدفن بمكة أو المدينة أو بجوار نبي أو صحابي أو غيره.

أدام الله علينا نعمة الأمن والأمان وأن نكون عوناً للوطن في حربه ضد أعدائه من جراثيم وفيروسات غير مرئية أو تمشي على الأرض.

* نقلا عن "عكاظ"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.