.
.
.
.

صناعة الثقافة والمدير التنفيذي للقلوب

عصام بخاري

نشر في: آخر تحديث:

في إحدى المحاضرات وقت دراستي بمرحلة الماجستير في اليابان، تقدم طالب ليقدم العرض الخاص به ضمن المقرر، وما إن وقف الطالب أمام الحضور وقبل أن ينطق بكلمة واحدة انفجر عليه الأستاذ الياباني وبدأ يوبخه وطرده من القاعة ومنعه من حضور المادة، والسبب أن الطالب وقف ليتحدث أمام الحضور دون أن يخلع معطفه مما اعتبره الأستاذ سوء سلوك وقلة احترام، ورغم أن الطالب الياباني كان من المتفوقين ولم يكن يقصد توجيه أي إهانة للحضور، إلا أن قرار الأستاذ كان صارماً بأن السلوك والانضباط وثقافة الاحترام تأتي قبل التفوق والتحصيل الدراسي... مقالة اليوم تناقش أهمية الاستثمار في الثقافة من ناحية إدارية..

يناقش الخبير سايمون سينك هذه القضية من منظور آخر حيث يذكر أن هنالك موردين يجب أن تلتف الإدارة وتهتم بها وهي الموارد المالية والإرادة. ولتسبيط الأمر فالموارد المالية محدودة ويجب أن تحرص الإدارة على عدم نفاذها عبر المبيعات والاستثمارات والتمويل وغيرها، ونفس الأمر ينطبق على الإرادة لدى الفريق والتي تعد المحرك الحقيقي للعمل، الأمر شبيه بسيارة فاخرة فيها كل التقنيات والمكونات لكنها لن تتحرك سنتميترا واحدا ًمن دون الوقود والذي يعبر عن الإرادة أو التي أسميها الثقافة التي تحفز الفريق لتحقيق الأهداف والإبداع والإنجاز، فمهما بنت الإدارة وصممت استراتيجية محكمة ورائعة، فلا يمكن أن ترى النور وتتحقق على الأرض ما لم تكن هنالك ثقافة مؤسسية لدى الموظفين والمنظمة لتنفيذها.

ولعل البعض هنا يتساءل: كيف يمكن أن نبني أو نخلق ثقافة مؤسسية ناجحة؟ يخطئ الكثيرون بأن هذه الثقافة تأتي من تبخير المكاتب أو توفير القهوة والشاي أو حتى الوجبات المجانية والجلسات المريحة وطاولات البلياردو، وبطبيعة الحال فهذه الثقافة لا يمكن خلقها بمجرد إلقاء خطب حماسية وأخذ صور وفيديوهات ذات جودة عالية لوضعها في الموقع وحسابات التواصل.

صناعة الثقافة المؤسسية تعني التعامل الإنساني مع الفريق وفهم الاحتياجات والأهداف والطموحات لكل فرد في كل مرحلة من عمره في المنظمة، صناعة الثقافة تعني بيئة صحية نظيفة من الأشخاص المريضين في علاقاتهم الإنسانية والذين ينشرون السموم والطاقة السلبية في بيئات العمل والذين يقدمون مصالحهم الشخصية المحدودة على مصلحة المنظمة.

ولعل من الأمثلة العملية لبناء الثقافة هو ما قامت به إحدى الشركات في الولايات المتحدة الأميركية من إلغاء منصب المدير التنفيذي للموارد البشرية واستحداث منصب المدير التنفيذي للقلوب والذي تقوم به السيدة كلاودي سيلفر والتي تعبر عن هدفها الأسمى والذي يتمثل في خلق أفضل بيئة عمل تساعد الموظفين على النجاح والسعادة.

وختاما، في خضم اقتحامنا بكل قوة لعصر البيانات الكبيرة والذكاء الصناعي وثورة الجيل الخامس في الاتصالات، يجب أن لا ننسى الاهتمام بصناعة الثقافة والتعامل الإنساني عبر بناء بيئات العمل الصحية، وأختم بكلمات بيتر دراكر:"الثقافة تأكل الاستراتيجية على الفطور".

* نقلا عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.