.
.
.
.

تمكين وتوطين القطاع المهني

ماجد قاروب

نشر في: آخر تحديث:

تعتمد المهن الاستشارية على العنصر الشخصي المباشر لمقدم الخدمة الذي يجب أن يكون مؤهلاً علمياً ومسلحاً بالخبرات التدريبية والتأهيلية والعملية مع الترخيص بمزاولة المهنة وتقديم الخدمة سواءً كان ذلك طبيباً أو محامياً أو مهندساً أو محاسباً وغيرها من المهن.

ومقدم الخدمة مسؤول مسؤولية مباشرة عما يقدمه من نصائح أو مشورة وهو مطالب بمراعاة قواعد وسلوكيات وأخلاقيات العمل وأصول ومبادئ الاستقلالية والحياد والنزاهة والشفافية وعدم تعارض المصالح، ومطالب بالتحري عن سلامة وصحة التعاملات والأعمال وبُعدها عن أي شبهات جنائية من جرائم الأموال والفساد مثل الرشوة وغسل الأموال والتستر والغش التجاري وغيرها.

وهذه جميعا مسؤوليات أساسية وشخصية لمقدم الخدمة تجاه القانون والمجتمع، علاوة على مسؤولياته والتزامه تجاه طالب الخدمة بالعناية والرعاية والجودة والإخلاص.

وجميع تلك المتطلبات والضرورات تجعل من ظاهرة تقديم المشورة أو الرأي أو الخدمة بشكل مجاني أو من خلال التطبيقات الإلكترونية أمر فيه إخلال كبير بالمسؤوليات والواجبات الأساسية تجاه طالب الخدمة وقبل ذلك القانون والمجتمع؛ وذلك لاستحالة القدرة على فهم وتصور الحالة التي تحتاج إلى المعالجة، لأن الأصل والأساس أن طالب الخدمة يجهل القانون أو الطب أو الهندسة أو المالية، لذلك يلجأ للمختص المُرخص الذي يحتاج إلى الاطلاع على المستندات والرغبات وفحصها ودراستها ليتحقق من حقيقة مضمون احتياج طالب الخدمة وحالته حتي يتمكن من تقديم الخدمة المناسبة واللازمة له وفق الأصول الفنية والمهنية.

كما أن مجانية تقديم الخدمات أو تقديمها عبر تطبيقات إلكترونية تعتبر مخالفة صريحة لأنظمة وتشريعات أساسية مثل نظام المحاماة وهيئة التخصصات الصحية والهيئة السعودية للمهندسين وغيرها من القوانين التي تُنظم وتُرخص تقديم الخدمات، بل إن هذه المجانية قد تؤدي إلى تستر مهني خطير في تلك القطاعات وممارستها من غير ذوي الاختصاص.

وإن كنا نرى أن منسوبي المهن الاستشارية من أصحاب التراخيص المهنية هم أساس الطبقة الوسطى لأي مجتمع واقتصاد قوي وفعال ومتطور، إلا أنه وبكل أسف نجد أن قطاع المهن الاستشارية يعاني من انعدام الاهتمام به بين كل ما هو تجاري أو صناعي وتضيع الخدمات الاستشارية على وجه الخصوص بل والخدمات بشكل عام.

إن تمكين ودعم القطاع المهني والاستشاري يجب أن يبدأ بترسيخ معاني المهنية من المرحلة الجامعية للطلاب، وذلك بتعريفهم بواقع سوق العمل وأدبياته وشرح المسار العملي والمهني لهم بعد تخرجهم لتمكينهم من معرفة أهم وأبسط أدبيات وأبجديات وأخلاقيات العمل، وعلى الصعيد المؤسسي يجب أن تتم مراجعة جذرية لواقع هيئات المحامين والمحاسبين والمهندسين وغيرها من المهن الاستشارية لتقوم كل منها بحماية مهنتها وحصتها في السوق من التستر والغش والانتحال والعشوائية وانعدام المهنية التي تمنع هذه الهيئات من التطور والترقي لتصبح قادرة على خلق كيانات وتحالفات مهنية تعمل على توطين الخبرات وسعودة الوظائف ودعمها ومنافسة الشركات الأجنبية.

ورسالتي إلى وزارة الموارد البشرية وصندوق الموارد البشرية هي أدعموا القطاع المهني بتطوير التشريعات والهيئات المهنية والمرادف المؤسسي لها في القطاعات الحكومية وليس بدعم التوظيف فقط، حتى تتحقق السعودة الحقيقية ويتبوأ قطاع الخدمات الاستشارية مكانته التي يستحقها ليؤدي أمانته التي كلف بها.

* نقلا عن "عكاظ"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.