.
.
.
.

البعد الوظيفي في كود وادي حنيفة

سليمان الرويشد

نشر في: آخر تحديث:

يهدف الكود العمراني لمنطقة وادي حنيفة، الذي صدر مؤخراً، إلى تحقيق غرضين اثنين أساسيين، الأول هو: تعزيز الحماية لبيئة وادي حنيفة، لما تنفرد به من ثروات طبيعية وتراثية، أما الثاني فهو: توجيه نمط التطوير الريفي والعمراني في منطقة الوادي، ليتوافق مع ذلك التميز الطبيعي والتراثي.

الهدف الأول قائم أساسه منذ أكثر من ثلاثين عاماً، وهو يتعزز باستمرار. أما الهدف الثاني فهو الذي أصبح محور الاهتمام حالياً، لا سيما بعد تطوير المنطقة التاريخية في مدينة الدرعية، ومشروع بوابة الدرعية في الوقت الحاضر والرغبة في أن يمتد هذا التطوير ليشمل كل مظاهر التنمية على سفوح الوادي، إضافة إلى مجراه وضفتيه.

يقوم الكود بشكل أساسي على المفهوم الذي ابتكره عالم البيئة الألماني (ألكساندر فون همبولت) واستخدمه في الأصل لتحليل البيئات الطبيعية، وذلك بتقسيم مقطعها إلى نطاقات متتالية، يمتاز كل نطاق منها بخصائص معينة، إلا أنها تعيش في تكامل فيما بينها، حيث واضح أنه تم الأخذ بهذا المفهوم في تقسيم مقطع الوادي إلى نطاقات متتالية موازية لمسار الوادي، تبدأ من مجراه لتؤلف النطاق الأول والثاني، الذي يشمل حمى الوادي والمزارع على ضفتيه، ويمثل هذان النطاقان البيئة الريفية، ومن ثم يليهما النطاق الثالث على سفح الوادي، ويمثل المنطقة السكنية منخفضة الكثافة، يتبعه النطاق الرابع، ويعبر عن المنطقة السكنية متوسطة الكثافة، ليأتي بعدها نطاق المنطقة السكنية الأعلى كثافة، في انتقال تدريجي وسلس من البيئة الريفية إلى التداخل والاندماج مع البيئة الحضرية المحيطة، على عكس التطوير المتبع حالياً، الذي نرى فيه بوضوح التلاقي الحاد والمتضاد بين بيئة الوادي الريفية والبيئة الحضرية للأحياء المطلة مباشرة عليه أو على شعابه.

إن أقرب نموذج يمكن أن نرى فيه ملامح تطبيق هذا الكود، وتحديداً في المناطق التي تقع على سفح الوادي - مدار تساؤل الكثيرين - هو مشروع إسكان وزارة الخارجية شمال مدينة الرياض، الذي صممه المعماري الألماني الراحل (ألبرت شبير)، فهو يمثل مجاورة سكنية مقسمة عرضياً إلى ثلاثة نطاقات سكنية (منخفضة، ومتوسطة، ومرتفعة) الكثافة، حتى ليكاد هذا النموذج أن ينطبق على تلك الفئة من نطاقات الكود العمراني لوادي حنيفة، هذا بخلاف أن الوحدات السكنية الفردية بهذا المشروع تتوافق مع اشتراطات الكود، فهي ذات أفنية داخلية، ومن دون ارتدادات، وبمفردات معمارية موحدة.

ما أود ألا يفوتني الإشارة إليه في هذا السياق، هو البعد الوظيفي للأحياء السكنية التي ستتمخض عن هذا الكود، الذي جرى إعداده لإعادة توجيه نمط التطوير العمراني في منطقة وادي حنيفة على نحو أفضل وأهمية استيعاب ما ألهمتنا الجائحة من دروس، وذلك بتبني الكود فكرة (حي الخمس عشرة دقيقة) التي طورها كارلوس مورينو، الأستاذ في جامعة السوربون، لتوفير مدن ذات جودة عالية ومستدامة، وتقوم على مبدأ تيسير حصول الساكن في الأحياء التي تتألف منها المدينة على الخدمات الأساسية اليومية التي يحتاجها، الصحية والتعليمية والتموينية والترفيهية حتى مقر العمل - إن أمكن - وغيرها من الخدمات في نطاق الخمس عشرة دقيقة - سيراً على الأقدام أو بالدراجة - من مقر سكنه، وبالتالي العمل على تقليل إن لم يكن الحد من انتقاله وحركته خارج نطاق هذه الدائرة نتيجة توفر هذه الخدمات اليومية ضمن حدودها، والتي بادر إلى تطبيقها عدد من المدن الكبرى في العالم، من بينها باريس، وملبورن، وميلانو، ومونتريال.

نقلا عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.