.
.
.
.

مال المحتفظة للمنتفضة

علي بن محمد الرباعي

نشر في: آخر تحديث:

مع استيقاظ شمس صباح يوم جمعة، وتسلل شعاعها من بين خشب الخَلف إلى المنزل المتوارث من أجداد سالفين، تستحث (سنبلة) شقيقتها (قرنفلة) للنهوض سريعاً والمسراح قبل اختلاف النهار، قالت لها: قومي عَدنا قيلة. لمّت ما يحتاج إلى غسل من ملابسهن البسيطة ومفارش، ثم جمعتها في طشت نحاسي وغطتها بمشمع، وأحكمت ربطه حتى لا ينتثر منها شيء، وأدخلت في ثنايا الكوم القماشي علبة فضية بها مسحوق غسيل، وهبشت من الخريطة حبات تمر وداخلتها بين الملابس، وطلبت من أختها تكوّر شرشفها الأبيض على رأسها ليتوازن الحِمل، وساعدتها في رفعه ووزنه، فيما تناولت من المعلاق قُفة الخلا، ووضعت فيها المحش، وأدوات لتنظيف الجسم برغم أنها زهدت في الرجال وخشّن جلدها منذ هجرها زوجها وغادر القرية إلى المدن وخلاها كما الدلو معلّقة.

حركة القرويين في الصباحات أشبه بأسراب النمل المنتظمة جيئة وذهاباً، المزارعون مشمرون وكل يعطي بجهده في حيازات بعضها تبلغ عشرات الحِلق، وبعضهم شَقة صغيرة لا تتجاوز ربع حِلقة، والخريف موسم الذرة، وكل واقف على مزرعته بحكم الحاجة وبحكم ما تفرضه العادات من اعتزاز بالمِلكية والتباهي بالمساحات القابلة للاستزراع لسد مؤنة الأسرة طيلة العام.


يتلفعن القرويات بالشراشف البيض كقلوبهن، ويتقاطرن أشبه بملائكة رحمة، لا يسعدهن إلا العمل، ويطلقون على المبدعة (حُرّة) السارحات بالقِرب لملئها من الآبار، والرائحات بالماء والحطب والأعشاب اللازمة لجوع المواشي في موسم شتاء طويل وشحيح، فيما يملأ ثغاء الأغنام الطرقات، افتقاداً للبهم الصغار الذي يجاوب أمهاته ويرسل ثغاءً حزيناً مشوباً بشيء من الاحتجاج الضمني على حرمانه من المسراح. يحجب البهم في المراح، كونه لا يرعى ولا يترك لأمه فرصة الرعي من السفوح ليعدن بضرع يسد حاجة البهائم والأوادم.

تتميز «قرنفلة» بوجه صبوح، وبسمة مليحة. عودها راكز كما تقول جارتهم التي حاولت مراراً أن تفوز بها زوجة لابنها، إلا أن أختها (القشراء) صكت نصيبها. ولقرنفلة من اسمها نصيب الرائحة الزكية، والقوام الرشيق والمشي الغنج الذي يأسر الألباب. كانت محط إعجاب شباب القرية، ومن شدة ولع ولد العريفة بها غدا مضرب مثل في الافتتان حين فلتت حبوب كيس الذرة في الأرض وهو فاغر فيها، وعندما خاصمه أبوه، قال: الله يسقي زمانك يوم كنت تخلي شيبتك يرقد وتسري تطارد لعب الشِبك، فاقتلع كُبابة وحذفه بها لكنها لم تصبه.

عانت قرنفلة من تسلط شقيقتها المعقدة والفاشلة في تجربتها الزوجية، وكلما سمعت عتاب تفويت الخطبان: ترد؛ وش أعبأ بأختي اللي ما معي غيرها ولا معها غيري. كرهت الرجاجيل وتبغي تكرهني فيهم، فقررت حرماني تصد وترد وترد، وأمري سلمته لله.

حمّلتها طشت الغسيل وفي الطريق كلما قابلت أحداً تحييه، ولا تشح في توزيع ابتسامتها ومد كفها المحنّى بحبات التمر للرعاة الصغار، وعندما أطلت على الوادي فاحت رائحة الطلح، واستقامت عيدان الذرة وكأنها تؤدي التحية للفاتنة، فيما تطاير عبق الحبق، وتمايلت أخواط القضب مع رياح منسابة مع تنهدات عاشقة الحياة، وتناغم خرير الغيل السالك طريقه بالمياه العذبة طيلة العام، والموزع خيراته بالقسط بين المزارعين والرعاة وعابري السبيل والطيور والعاملة والزاملة والسابلة والحشرات. سنبلة كادحة وتتعامل مع المال بحرص، تسرح وتروح وتجني وتبيع وتحلب وتزبد وترعى وتختلي تحط الريال فوق الريال تبيع البيض وتنفش الصوف وتولّد الحُمّل وتفطم الرضع، ولو احتاج أي مخلوق منها عود كبريت ما تعطيه، تحزم الريالات في معصب وتتنقل الغلّة معها في صدرها. وإذا طلبها أحد سلف قالت؛ ما يسلّف إلا بن كدسة، وش عندي آنا آربني وافيت غلة جَحْوَشة اللي لحقها فازع بيشة.

أصيبت قرنفلة بمرض عجز في مداواته طب العارفين ولم تفدها محوة الفقيه، ولا كوايا المختّن، ومن شدة الحمى يرتجف عظمها، وتناوب أهل القرية على مسامرتها، ظناً أنها ستودع. فسّر بعضهم المرض بمسراحها لغسل الملابس في الغدير المَولي، وعزاه بعضهم لعشق دفين لمعشوق غايب عن الديرة. قالت: الشدقاء سنبلة للجماعة بكل صفاقة: اللي وده يسمرها يجيب قهوته وحوايجها معه. قرنفلة تشيلها الحمى وتوطيها، وتسعل سعالاً متواصلاً حتى تشخص عيونها ثم تفك عنها.

ردد الفقيه: عليّ عنها لا ماتت ولا شاوت. قال العريفة: بعد يجيك علم، بمرور شهر صاح الصايح وناحت النائحة، وحملت القرية نعشاً عليه جسد نحيل أحرمت صاحبته نفسها من كل متع الدنيا، وآلت البلاد والفلوس لقرنفلة التي عادت لحيويتها ونشاطها.

بدأت المنافسة بين الفقيه والعريفة على الجمال والمال، كلما شاف العريفة الفقيه يدرّج حول البيت يهدده: والله لن شفتك تتلحوس عندها لاكسر ساقك. فيما كلما صعد المؤذن ليؤذن من فوق المسيد والتفت ناحية حوشها قطع الآذان وردد (مال المحتفظة للمنتفضة).

نقلا عن "عكاظ"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.