.
.
.
.

وقفةُ عابر..

إبراهيم بن عبدالرحمن التركي

نشر في: آخر تحديث:

بمعادلةٍ مُقاربةٍ؛ فقد كتب صاحبُكم ما لا يقل عن ألفٍ وخمس مئة مقالٍ، تختلفُ في حيِّزها وفق عدد كلماتها، كما أصدر ستة عشر كتابًا بتأليفٍ انفراديٍ، وأكثرَ منها بتأليفٍ مشتركٍ وتحريرٍ مهْنيٍ «إداري وثقافي»، وآن له أن يتساءلَ عمّا أضاءه أو أضافه في الطرف المقابل للمعادلة؟ فهل نحن قادرون على محاسبة أنفسنا بقوةٍ ودقةٍ تبلغُ حدَّ المراجعة والتراجع والاعتذار والاستنكار؟ وهل نقتنعُ أن اللفظ لا يَعبُر والمعنى لا يندثر وإن لم يُحاكمْهما زمنَ نشرِهما حسيبٌ ورقيب؟

** لم يجئْ التساؤلُ وليدَ لحظة صفاءٍ أو فراغ؛ فقد وضعه في حساباته منذ أولِ مقال نشره بهذه الصحيفة، وكان عنوانُه: «في الصحراء ولا نرتحل -1984م»، غير أن تكاثرَ الجدل والدجل في الوسائط الرقمية، والركود والكسل في الوسائط التقليدية، أوجد مسافاتِ تيهٍ بين ما يُزهرُ فيُثمرُ وما يُزجَى فيُثرثر، وتجاذبت الساحةَ مصادرُ فعلٍ وردِّ فعل، واستسهل الأكثرون الخوضَ فعُدُّوا مؤثرين، وتوفرت منصاتُ بث ومحركاتُ بحث، ولم يبدُ فارقٌ بين مَنْ ترفدُه ثقافةٌ ومن تدفعُه ثقة، ومن يعشق الظهور ومن تُوقظُه المسؤولية.

** لا تأخذُ الصحائفُ -لمن يسترخصُ مؤدّاها- جهدًا في التسطير والتبرير والاستعداد والاستشهاد، وأيًا تكن الوسيلة فإنها قد تخلقُ أزماتٍ مجتمعيةً عبر حواراتٍ صماءَ، يتداخلُ فيها كل من امتلك حسابًا لا يستغرق فتحُه بضع دقائق، وهو محْدثٌ آليٌ يسَّر وكثَّر، وأغرى فتكاثر، في حين احتاج النشر التقليديُّ إلى عمرٍ سابق من التكوين، ولاحقٍ من التلوين؛ فلا يقف عن إسناد شخصِه ونصِّه بهما؛ فالتكوين عمليةٌ معرفيةٌ، والتلوين ضرورةٌ منهجية.

ADVERTISING

** لم يُكنَّ «ميخائيل نعيمة 1889 - 1988م» وُدًّا لسيد الشعر المعاصر «أحمد شوقي 1868- 1932م»؛ فانتقد قصيدته التي قالها بعد عودته من المنفى «الأندلسي»، ومطلعُها:

أُنادي الرسمَ لو ملك الجوابا

وأجزيه بدمعي لو أثابا

وكان قاسيًا، لكنها رؤيتُه كما هو حقُّه الذي انطلق فيه من أن «شكسبير ما مات ولن يموت. أما ألوفُ النظَّامين الذين حازُوا شهرةً وقتية من غير استحقاق فلا نسمع بهم ولا نَذكرهم..» - (الغربال ص 87 - ص 145 - الطبعة 12 -1981م»). وقد وُوجه «ناسكُ الشخروب» باعتراضاتٍ متناقضة؛ فأنكروا عليه تقزيمَ النصِّ بوسمٍ نظميٍ وعملقة ثلاثة أبياتٍ بوسمٍ ديني، وفيها: «أدير إليك قبل البيت وجهي...» فافترضوا أن سببَ إعجاب «نعيمة المسيحي» انصراف «شوقي المسلم» عن مكة.

** جرى هذا حول نصٍ اختلط فيه الإبداعُ بالأدلجة، وهو المشكلُ الأبرزُ في مثل هذه النقاشات، وخلال أعوامٍ مختلطةٍ بمجدّديها ومردديها، وانغلاقها واندلاقها؛ فهل ما يُبث عبر الوسائط ناءٍ عن التحيز مسكونٌ بالتميز؟ وهل تَوقفنا أو نتوقفُ لمحاسبةِ أوراقنا وشاشاتنا فننصف وننتصف؟ وماذا عمّنْ ظلم وأظلم وبغى وغوى؟ وهي استفهاماتٌ تغيبُ وتؤوب، لكنها ستلاحقنا غدًا إن لم نجب عنها اليوم.

** الأثرُ شخصٌ وشاخص.

*نقلا عن "الجزيرة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.