.
.
.
.

مملكة القيم والإنسانية

عبدالله السعدون

نشر في: آخر تحديث:

أكثر الدول استقراراً وسعادة وإنتاجاً هي تلك التي تركز على قيم العدالة والتعاون والاحترام، وتجعل الإنسان وصحته وتعليمه في قمة أولوياتها، وتضع كل ذلك ضمن أنظمتها ومناهجها الدراسية وسياساتها الخاصة والعامة، يتشبع بها قادتها وكل موظفي القطاع العام والخاص والقطاع الثالث غير الربحي، وتحرص على تطبيقها على أرض الواقع وتتأثر بها الدول الأخرى، وقد أحسنت المملكة بصفتها الرئيس لهذا العام بتركيزها على القيم التي تطالب بها منظمات المجتمع المدني ضمن الأنشطة التي تضمنتها قمة الدول العشرين، إضافة إلى التغير المناخي، وتخفيف العبء على الدول الفقيرة، وتهدف من وراء ذلك إلى أن تتبناها الدول العشرين وبقية دول العالم لتحسين جودة الحياة والتوعية بأهمية القيم لكل سكان كوكب الأرض، ومكافحة كل ما يهدد الحياة فيها من اختلال بيئي، وما يعانيه السكان من فقر وجوع ومرض بسبب تغول الاقتصاد وتقدم التقنية دون أن يحققا الغايات الإنسانية، وضرورة صياغة رؤية عالمية تقوم على الترابط والتعاون بين أهل الأرض، رؤية تستند إلى التكامل والتناغم والانسجام، وتأخذ في اعتبارها التغييرات المتسارعة التي يمر بها العالم وخطورتها على الحاضر والمستقبل.

وقد كشفت جائحة كورونا مدى هشاشة المجتمعات وتفككها وخاصة في الدول المتقدمة، حيث ترك أفراد وحيدون، وكبار سن ومرضى يواجهون مصيرهم، إضافة إلى أعداد كبيرة من الموظفين فقدوا وظائفهم، وزاد الفقر والإدمان بين الشباب بصفة خاصة، بينما أثبتت جائحة كورونا ترابطاً أكثر بين أفراد مجتمعات الدول النامية والتي تحتفظ بقيم التعاون والتآزر وترابط الأسرة لمواجهة الوباء مما خفف من آثار جائحة كورونا.

والمملكة تستشعر أهمية التعاون بين مجموعة دول العشرين لمعالجة التحديات التي تواجه سكان الأرض بكل الوسائل المتاحة، وتوجيه الدفة من التسليح والحروب والتنافس المحموم على الموارد إلى التعاون البناء لتشييد عالم مختلف تقل فيه نسبة الفقر والبطالة، ويعم السلام والأمن ربوع العالم. ولأول مرة في تاريخ مجموعة العشرين تشكل مجموعة تواصل القيم وهي بمثابة مجتمع عالمي يضم خبراء وممارسين في مجال القيم للمشاركة الفعالة في أعمال مجموعة العشرين للتركيز على احتياجات الناس عند وضع السياسات العامة للتغلب على التحديات وتحويلها إلى فرص عمل، وإبراز الدور المحوري الذي تلعبه القيم في تحديد سياسة دول العشرين ونجاحها.

وقد أوصت مجموعة تواصل القيم المقدمة إلى مجموعة العشرين باغتنام فرص القرن الحادي والعشرين والرفع بتوصيات عن التحديات التي يواجهها المجتمع البشري، مع التأكيد على دور القيم في ضبط سلوك الناس، والأخذ باحتياجاتهم عند وضع السياسات العامة، للمساهمة في حل المشكلات والتحديات العالمية مزودة بالكثير من الدراسات، وكيف أن نشر وتطبيق القيم كفيلة بحل معظم تلك التحديات ومنها هذا الانفجار المعلوماتي؟ وكيف يمكن التعامل معه في ظل ثورة المعلومات، والعمل على توظيفه لمصلحة الناس وحسن اتخاذ قراراتهم؟ ومن التوصيات زرع القيم في مناهج التعليم بدءاً بمرحلة التعليم المبكر وحتى التعليم الجامعي مع وضعها موضع التطبيق والممارسة.

ومن أهم توصيات القمة ضرورة التعامل مع المشكلات البيئية ومعالجة الاحتباس الحراري وارتفاع درجة الحرارة على مستوى العالم، وتثقيف القادة وصانعي القرار في كل دولة للتركيز على التنمية المستدامة والعودة إلى القيم التي تجعل الإنسان واحتياجاته مقدمة على امتلاك المزيد من التقنية أو الرفاهية لفئة قليلة ومحدودة، المملكة بصفتها الرئيس لمجموعة العشرين لهذا العام تتوجه إلى الدول الغنية لوقف السباق المحموم لتعظيم الاقتصاد وسباق التسلح على حساب البيئة، وزيادة الهوة بين طبقات المجتمع دون النظر إلى جميع القضايا المهمة من ماء وغذاء وصحة ومناخ كعناصر يكمل بعضها بعضاً، ولا يعالج كل منها بصفة منفردة.

لم تعد مجموعة العشرين منتدى اقتصادياً فقط كما كان في العام 2008، لكنها بدأت تستجيب لكل المتطلبات والتحديات الاجتماعية والصحية المعقدة مثل ما رأينا في جائحة كورونا، وفي التعامل مع ديون الدول الفقيرة والتغيير المناخي، وقدمت المملكة جهوداً كبيرة ومتنوعة للتوصل إلى فهم مشترك لكل ما يهدد كوكب الأرض وسلامة الإنسان وصحته وأمنه، وتكثيف الجهود المشتركة ليعم السلام ربوع العالم.

نقلاً عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.