.
.
.
.

الخوف من اللقاح أسبابه وطِبّه

إبراهيم المطرودي

نشر في: آخر تحديث:

عنوان المقالة كعناوين البحوث، يُفكر في الظاهرة وأسبابها ويبحث عن طبها إن كان لها طب، وهي -وأقصد الخوف من اللقاح- ظاهرة جديرة أن تتولاها الجهات بالدرس، والباحثون العلميون بالنظر والتأمل، فيجعلون لها نصيباً من أوقاتهم وجهودهم، يُتابعون أسبابها، ويُقدّمون للمواطنين علاجها، لأن البحث العلمي من أهدافه إقناع العقل بطرائقه المعهودة ومناهجه المطروقة، فحين يتولى الباحث قضية بالدرس والبحث، فغايته أن يصل إلى رأي فيها، ويملك أدلة الإقناع بها، وهذا ما تسعى إليه المقالة، ويرجوه صاحبها منها.

الخوف من اللقاح حدثٌ متكرر، شاهَده الجميع في مناسبات مختلفة، تجتمع هذه المناسبات في قضية واحدة، هي أنّ بعض المواطنين يخضعون لتأثير القنوات غير الرسمية، ويستمعون لها، فتُثير هذه القنوات المخاوف في نفوسهم، وإن لم تُبن مواقفها على علم ومعرفة، وكثيراً ما كانت المخاوف وإثارتها في تاريخ البشر باباً إلى إقناعهم وترسيخ القناعات فيهم، بل هي من أسرع وسائل الإقناع وأكثرها قوة؛ لأن الإنسان يبحث عن الأمان، ويطلبه، ويتحرّى مظانّه.

ومن غرائب الإنسان، وكثير من أموره غريبة، أنّه يقبل المخاوف على غير قانون ثابت، تُخوّفه المؤسسات الرسمية في الدول، فتصدّ طائفة منه عن الاستماع لها والإنصات إليها، وتُخوّفه جهات مجهولة فيُنصت ويسمع ويمتثل! وهذه إحدى المصاعب، التي تقف في درب إقناعه، وتعرقل الوصول إليه، وهذا هو سبيل البحث العلمي وقَدَرُه، فهو بلدوزر المصاعب والمشاقّ، ومطلوب منه أن يسبر هذه المخاوف، ويفضح الطوائف التي تُديرها، وتتكسب من ورائها.

يقبل المخاوف ممن كان الأحرى به ألّا يقبل شيئاً منه، ويرفضها ممن كان الأجدر به أن يرضى بكل ما يُوصيه به، يقبلها ممن لن يكون مسؤولاً عنه لو أصابه مكروه، ويقنع بها ممن لا يعرفه جيداً، ولم يختبر صدقه من قبل، وليس بينهما من رباط سوى رباط الصدفة والاتفاق، ويردّها ممن سيكون مسؤولاً عنه حين تُلمّ به تلك المخاوف، ويأباها ممن يعرفه تمام المعرفة، ويستطيع لو أراد أن يشكيه ويتظلم منه، ويصم أذنيه عمّن عرف صدقه، ولمس حرصه، ورأى من ماضيه وحاضره ما يدفع عنه منه الريبة والشك والمرية! يُصغي بأُذنيه كلتيهما إلى مَنْ حقّه عليه الارتياب، ويصدف بهما عمّن فرضُه عليه الانقياد، فيا أيها الإنسان: ما لك؟! ويا أيها الإنسان: ما دهاك؟!

يقف وزير الصحة، ويُحيط به المسؤولون في وزارته، يدفعون تلك المخاوف، مرة بالنصح والتوجيه، وتارة بأخذ اللقاحات ونيل الأمصال، وتبقى طائفة من الناس، مع ما شاهدته من خطورة المرض وضراوة النازلة، أكثر ميلاً إلى تصديق المخاوف من المصل ومن أضراره الجانبية، تقول الوزارة ومسؤولوها، وهم مؤتمنون على الناس وأرواحهم ومُخوّلون من قبل الملك -حفظه الله- وولي عهده: لا خوفَ عليكم من المصل، ولا ضير عليكم من أخذه، وتظل طائفة بعد كل هذا تُقدّم في مصلحتها رجلاً وتُؤخر أخرى، تنتظر حتى يذهب الناس كلهم، وتكون تجربة اللقاح في غيرها، كأنها لم تُتابع أخباره، ولم تلتف إلى تجربته، ولم تسمع عن تسابق الدول إليه، وأعظم من هذا كله أن يُشك في مَنْ حقه التصديق، ويُوثق بمَن حقه التكذيب.

إن هؤلاء الذين ركبوا مراكب الخوف، وقبلوا ما أوحى به إليهم مَنْ لا علم له ولا جِدَةَ لهم عنده، يحملون جميعاً أوراقاً ثبوتية، لهم ولأولادهم، فيها بيان وافٍ بالتطعيمات التي تلقّوها، واللقاحات التي ذهبوا إليها طائعين غير مرغمين، وما من فرق بين هذه الأدْواء والداء الجديد إلا أنهم ألفوا تلك ووجدوا آباءهم سبقوهم إليها فلم يُخامرهم شك في نصح مؤسسات الدولة لهم، وقيامها بمصالحهم، فما بالهم ارتابوا من الناصح، وتخوّفوا من الشفيق، وشكوا في المؤتمن؟ إنّ مثلَ هؤلاء كمثل مَنْ يلجأ إلى حِمى الغريب ويعتصم بذِمامه ويدع أبويه وأعمامه وأخواله! وليس هذان بسواء، وما هما عند الناس بأكْفاء ولا نُظراء.

يُريد هؤلاء الخائفون أن تعود الحياة إلى طبيعتها، وترجع المياه إلى مجاريها، وهذا هو نفسه ما تريده الدولة، ويَتُوق إليه قادتها، وسبيله ما تدعوهم إليه وتندبهم نحوه، وتنصحهم به، وتحضّهم عليه، ويتقدّمهم فيه وزير الصحة، ولن يكون أبداً أبداً الدرب الموصل إليه، والجادّة الْمُفضية له، هؤلاء الذين يغرسون المخاوف، ويحوطونها بما يغذوها ويُوقظها، وحين يتلمسهم الناس، ويبحثون عنهم، ويطلبون منهم النجدة والنصرة في البلاء؛ يلوذون بالصمت ويلتحفون بالفرار، ويضعون أصابعهم في آذانهم حذرَ سماع شكوى الشاكي ونجدة المستنجد، فيكون مثلهم ومثل الناس معهم كمثل الذي قال:«وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولُوموا أنفسكم، ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي».

* نقلا عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.