.
.
.
.

المأمول هو التقنين وليس التدوين

سعود المريشد

نشر في: آخر تحديث:

تقنين أحكام الشريعة الإسلامية من المسائل الاجتهادية التي حظيت بخلاف فقهي ممتد منذ بداية العصور الإسلامية الأولى وعلى امتداد مراحل حضارتها حتى وقتنا الحاضر، حيث أثر هذا الموروث وألقى بحالة من الانقسام حول هذه القضية الخلافية على المبادرات اللاحقة، ولكنها لم تمنع من وجود عدد من محاولات التقنين الفردية أو الجماعية التي يشار إليها بالبنان حتى يومنا هذا، في المقابل الدولة الحديثة بمفهومها المعاصر اليوم ملزمة بتحقيق الاستقرار والأمن التشريعي في جملة من الأمور ولا يمكن لها أن تلبي احتياجات ومتطلبات مجتمعها بأشكال تنوعه كافة ومستجدات سلوكياته وتعدد علاقاته ومعاملاته وتعاملاته وشراكاته فيما بينه ومع غيره من مكونات المجتمع الدولي من دون أن يكون لديها قوانين مكتوبة وواضحة ومستقرة ولا تقبل مغامرات التأويل.

وبفضل من الله سبحانه، ووعي وحكمة قيادتنا الرشيدة بمتغيرات الزمن ومتطلبات المرحلة، تجاوزنا مرحلة تأثير ذلك الموروث الفقهي بشأن التقنين، بصدور الموافقة الملكية الكريمة في العام (1436هـ) على تكوين لجنة شرعية لإعداد مشروع "مدونة الأحكام القضائية"، والتي قيد إنهاءها الأمر الكريم خلال (180) يوماً من تاريخه، حيث ستضم هذه المدونة بين طياتها كما أعلن عن مراحل تطور العمل عليها نحو (3000) مادة قضائية مبوّبة على أبواب الفقه الإسلامي، تدون فيها الأحكام الشرعية المتعلقة بحاجة القضاء، إجمالاً يتفق التدوين مع التقنين في أن كلاً منهما يهدف إلى تفصيل وترتيب وتبويب الأحكام الشرعية على شكل مواد كما هو معمول به في القوانين، ولكن يختلف التدوين عن التقنين بوجوب التسبيب فيه بالاستناد على الأدلة الشرعية وليس على المواد القانونية كما يحصل في التقنين.

التقنين اليوم في كل أمر ليس قطعياً بالنص من الكتاب أو السنة، بل أضحى ضرورة في هذه الحقبة الزمنية المتغيرة والحافلة بالمتناقضات وأهمها حماية وصيانة جناب الشريعة الإسلامية من مغامرات الإساءة لها عبر باب الاجتهاد غير المنضبط والتي لن يحجمها التدوين وحده، فالتقنين ليس بدعاً من القول عطفاً على ما تم من محاولات سابقة، وبلدنا هو قبلة المسلمين قاطبة ونحن معنيين في المقام الأول بصيانة جناب الشريعة الإسلامية السمحة من الأحكام "المسيئة" عبر بوابة الاجتهاد غير المقنن في مسائل فقهية خلافية، وفي مشروعنا للتقنين فرصة ليكون هناك عمل يحتذى به من باقي بلاد المسلمين، ولهذا نقول: إن مصلحة الأمة تقتضي وجود تنظيم منضبط يؤطر للممارسات القضائية المؤسساتية التي تعكس سماحة وعظم ديننا الحنيف، وتحقق الاستقرار والحماية للحقوق وتحفظ اعتبار مؤسسات الدولة وسمعة الوطن من المغامرات غير المحسوبة كافة، ولنا فيما حدث مؤخراً في قضية "تحريم" الحلاقة والمعسل خير برهان.

* نقلا عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.